لنكن ديمقراطيين مع أنفسنا أولا

الخميس 2015/11/19

لم تخرج الديمقراطية كأفروديت من زبد البحر ولم تهبط من أرفع السماوات، فمن ثورة سبارتكوس إلى ثورة الزنج وصولا إلى سقوط التوتاليتاريات الحديثة، كان الموعد دائما مع الدم والدموع والمنافي. هي ثمرة نضالات مستميتة وتضحيات كبرى. جاءت نتيجة حتمية لتطور ميكانيزمات الحراك الاجتماعي المعقد والتراكمات المعرفية المرافقة له.

يحاول بعض الوصوليين في عالمنا العربي اليوم أخذها من فم “التنين” بغمزة ملونة على حائط عتيق في شارع مغبر تزينه أكوام قمامة أو من خلال إطلالة تلفزيونية كلها مساحيق. إن محاولة اختزال الديمقراطية إلى كراس برلمانية والاكتفاء بعبادة حزيبات وشخصيات تطفو فوق محن الناس لهو الاستمناء السياسي بعينه، وحتى مقولة “التداول على السلطة” ليست سوى تعريف تدجيني للديمقراطية، فعمّ يتداول القوم في انعدام المؤسسات المستقلة؟

أما آن أواننا لنخرج مصطلح الديمقراطية من تحت سلطة القواميس ودكتاتورية المرجعيات المسيطرة، إذ “ديموس كراتوس” أو حكم الشعب هو قبل كل شيء وعي بالتاريخ ومعرفة مستمرة للكون وفهم متنام للذات أولا وللآخر ثانيا. “اعرف نفسك بنفسك” هو بيان الديمقراطية الأول أمضاه سقراط أربعة قرون قبل ميلاد سيدنا عيسى، وهو الوصفة الوحيدة الكفيلة باجتثاث دراكولا الكامن في كل إنسان. بالمعرفة والتفكير الفلسفي فقط يدرك الإنسان أن سلوكه ليس نتيجة تدخل لقوى غيبية وإنما هو ثمرة أعصابه وغذائه وأسرته ومجتمعه ومن ثمّ فبالإمكان تعديله وتحسينه وترشيده إذا ما كانت له الجرأة على تغيير وتجاوز كل ما قتلته الحياة.

أما قمع الذات وترهيبها وممارسة الدكتاتورية عليها فهي آتية من الجهل بالإنسان وعدم الاعتراف بطبيعة وواقعية جسده وغرائزه. هذه المعرفة هي وحدها الكفيلة بخلق وعي مناهض للأحادية التوحيدية. فلغة الخشب تخلق أذن الخشب، الأذن التي لا تريد سماع سوى ما ألفته. ومن البديهي أن استعباد الذات فكريا وأخلاقيا وبيولوجيا لا يمكن أن يترجم إلا بقمع الغير ورفض الاختلاف. فمن يكن متعجرفا مع نفسه لا يمكن أن يكون ديمقراطيا مع الآخرين. فلنكن ديمقراطيين مع ذواتنا أولا والبقية ستأتي.

كاتب من الجزائر

14