لننتبه إلى المظاهر

الخميس 2016/04/14

ظاهريا قد تبدو مظاهر الناس أمورا شخصية تخصهم ولا يجوز بأي حال من الأحوال تناولها بالمساءلة أو تداولها في النقاش العام. بل لعل المظاهر قشور جانبيَة لا تؤثر في الجوهر ولا يجوز لنا أن نكترث بها، اللهم إذا كنا سطحيين في تفكيرنا.

المظاهر خدَاعة كما يقال، لكن ليس دائما، وهذا للتوضيح. ثمة فرضية معقولة: ألا يعكس المظهر أحيانا عمق الجوهر؟ بل هناك فرضية أكثر قوة: ماذا لو كان المظهر هو الذي يصنع الجوهر ويحدده في أغلب الأحيان؟ مناسبة القول ما أخبرني به صديق عاش تجربة التطرَف الديني في مراحل سابقة، فقد كان يقبع في السجن عندما فكر ودبر وقرَر أن يغير مظهره من باب المناورة وأملا في تقارير تفضي إلى صدور عفو عنه. لم يكن ينتابه أدنى شك في قدرته على تمويه السجانين. لكن، حدث له ما لم يكن في الحسبان. طال عليه الأمد وغلبه التعود وبدأ المفعول السحري للمظهر يؤثر في جوهر شخصيته. من فرط إصراره على أن يبدو مهذبا تهذّب في الأخير، ومن فرط تصنّعه للبشاشة اكتسب البشاشة في الأخير، وهكذا دواليك.

أثناء حديثه تبادر لذهني سؤال نظري: ألا تكون شخصياتنا جميعا مجرَد أدوار تقمصناها صدفة أو تظاهرا، ولما طال علينا الأمد اندمجنا في الدور؟ ألا تكون “الطبيعة البشرية” نفسها مجرد فراغ نملؤه بالأدوار التي نؤديها عن قصد أو من دون قصد؟ هكذا تساءلت وأنا أصغي لحكاية صديقي الذي لم يخف حيرته من قدرة المظهر الجديد على التأثير في شخصيته، حتى أن شخصيته انقلبت من حال إلى حال. بالطبع ليس في كل مرَة تسلم الجرَة، ثمة أشخاص يمتلكون قدرات عالية على التمويه ولهم باع طويل في مثل هذه المناورات، لكن، في الحالات العادية والتي تهمنا، فغالبا ما تنتهي الأدوار التي نؤديها إلى التأثير على شخصياتنا سلبا أو إيجابا.. أحيانا يقال لي: فلان يحاول أن يبدو متحررا لكنه في عمقه ليس كذلك، إنه يتظاهر لهذا السبب أو ذاك. فأقول: دعوه يتظاهر، وإذا طال عليه الأمد سيصبح مظهره جوهرا، وتصنّعه طبيعة. ومن يدري؟ لربما بهذا النحو يتغير الكثيرون، يتطور الكثيرون، ويتدهور الكثيرون أيضا.

كان نيتشه يقول “هؤلاء الإغريق كانوا سطحيين من شدة عمقهم”. ذلك أن المظهر قد يكون الشيء الأكثر عمقا في شخصية الإنسان.. فلننتبه إلى المظاهر!

24