لننشر عدوى القيم النبيلة

الأجدى أن يشعر أي شخص بالانتماء إلى المجموعة ويكون في مقدمة المتصدين للوباء ما دام في مقدوره بالمال أو الجهد إحداث فارق.
الجمعة 2020/04/24
جهود طبية جبارة في محاولة إنقاذ الأرواح

حياة الإنسان لا يمكن أن يكون لها ثمن مادي، فجميع ثروات العالم لا تساوي سنة واحدة من العمر، الذي يجب أن يظل، حرفيا، لا يقدّر بثمن.

لكن من المؤسف أن مستشفيات ومراكز الخدمات الصحية، في معظم دول العالم، تفوح منها رائحة الموت هذه الأيام، بسبب نقص الطواقم الطبية والمعدّات الصحية، ولم يعد من السهل أن يأخذ جميع المرضى حقهم الطبيعي في العلاج من فايروس كورونا.

بالطبع، لا يمكن أن ننكر جهود معظم الأطباء والممرضين الذين تدفعهم أخلاقيات المهنة ومشاعرهم الإنسانية إلى بذل أقصى ما في وسعهم، لعلاج المصابين ومحاولة إنقاذ الأرواح من هذا الوباء.

غير أن المشاكل الحقيقية التي تكاد تكون مشتركة في عدة مؤسسات صحية عربية على حد سواء، وإن اختلفت حدّتها من دولة إلى أخرى، هي الحاجة الماسّة إلى بنية تحتية وتجهيزات طبية لمكافحة الفايروس، ومساعدة المصابين الذين يعانون من مضاعفات خطيرة على البقاء على قيد الحياة.

قطاع الصحة العمومي في تونس على سبيل المثال، يعاني مشاكل هيكلية منذ سنوات عديدة، ومعظمنا كتونسيين على قناعة تامة بأنّ نقص الأجهزة المتاحة، والبنية التحتية المتهرئة، تمثّل عقبات بالجملة، ومن الصعب تجاوزها، دون إرادة حقيقية من السلطات وأيادي سخية تحركها النزعة الجماعية، لتكون على أهبة الاستعداد للتخلي عن جزء من الأموال للصالح العام.

ربما يميل الكثيرون إلى الانكفاء على ذاتهم وأفراد عائلتهم، ومعظمهم لا يمتلكون بصيرة طويلة المدى تجعلهم يستحضرون في أذهانهم معاناة الآخرين الذين لا تربطه بهم أي علاقة اجتماعية أو رابطة دموية، وبما أن لديهم الإمكانيات المادية الكافية ليعيشوا في رفاهية وبمنأى من الوباء، سيتصرفون بشعور دفين قوامه أنهم محور الكون والبقية مجرد هوامش.

لكن الأجدى أن يشعر أي شخص كان، أيًّا كان عمره، بالانتماء إلى المجموعة بطريقة ما ويكون في مقدمة المتصدين للوباء، سواء من خلال التبرع وفعل الخير أو مساعدة الآخرين المحتاجين، ما دام في مقدوره بالمال أو الجهد إحداث فارق في حياتهم.

ولكي يكون الفرد منا إنسانا بالمعنى الحرفي للكلمة، يحتاج حسب علماء النفس إلى ضمير متيقظ وجهد مقصود للتخلص من النزعة السلبية السيئة.

وعلى أي حال، كشف تفشي فايروس كورونا على أن عدداً قليلا فقط من الأثرياء يتصفون بالسخاء، ولكني مازلت أعتقد أن قرار الإيثار والتبرع لا يرتبط بالأغنياء فحسب، فالفقر الحقيقي هو في النفس لا في المال، والتعاون بين الناس في جميع مجالات الحياة لا يقيم بالماديات بل بالفعل الخير، وإذا أردنا تجاوز أزمة كورونا بأقلّ الأرواح والأضرار، لا يجب أن نكتفي بدور المشاهد السلبي الذي لا حيلة ولا قوة له غير الانكماش على نفسه ومتابعة الأحداث أين تمضي.

كلما عوّدنا أنفسنا على مساعدة الآخرين، فسوف يصبح ذلك هو الوضع الافتراضي لسلوكياتنا، وهذا يعني أننا سنتصرف بشهامة وحس أخلاقي في مواقف مختلفة من الحياة. ومن يدري؟ ربما تنتشر هذه القيم النبيلة إذا دأبنا عليها، كالعدوى بين حشود الجماهير.

لكن يبدو البشر الآن في غمار فترة اضطرابات عصيبة في المشاعر والأحاسيس. ولسوء الحظ، فجهود الأطباء وكوادر التمريض والقلة القليلة من أصحاب القلوب الرحيمة الذين يحاولون إنقاذ الأرواح في هذه الأوقات العصيبة، لم تعد وحدها كافية، إذا لم تتغير العقليات والسياسات العتيقة للحكومات.

ولعلنا هنا نستحضر المقولة الشهيرة لهتلر “الفقر هو صنو الجهل وصنو المرض ومتى اجتمع الثلاثة كفر الشعب بالدولة ومات في النفوس كل شعور وطني”.

21