لن أحيد عما رسمته لي أمي

نعم يا صديقي أمي خططت مساري بحكمة وبعد نظر أسرفت في تعليمي قائلة "سلاحك للأيام ودربك لإثبات ذاتك".
الثلاثاء 2018/05/01
لم أخلق لأكون ظل رجل

قال “حياتي تصلح فيلما سينمائيا”، فقلت فورا “أنا أيضا”، لكنه لم يتوان عن السخرية مني مقلدا كلماتي، مضيفا “ما المميز؟ حياتك روتينية جدا، لا شيء مميزا من المعروف كيف ستكون سلفا”، ثم اختزل حياتي في كلمتين “بل أمك من سطرت حياتك ولن تحيدي عمّا رسمته لك”.

امتنعت عن الإجابة ليس لأنني عاجزة عن ذلك وإنما لأنني سأخوض حربا خاسرة بما أن كلمات زميلي كانت جد مستفزة ونتيجة لذلك ما كان ردّي ليكون عقلانيا بل إن غضبي سيذهب ملكة عقلي لذلك جلست وسافرت مع أفكاري التي هدتني للرد بطريقة مختلفة.

هذا الحوار الذي دار على غير تخطيط مسبق بيني وبين زميلي بالعمل، قد يكون قصيرا في عدد كلماته لكنه يعمق قضية جوهرية لا تزال أصداؤها تتردد في المجتمعات العربية إلى اليوم تربط المرأة بالزواج والإنجاب ودون ذلك مهام رجالية بحتة.

ذكرتني كلمات زميلي “أمك من سطرت حياتك ولن تحيدي عمّا رسمته لك”، بقصة أوردها الجاحظ في كتاب البخلاء تتحدث عن أم تدعى مريم الصناع “زوّجت ابنتها وهي بنت إثنتي عشرة، فحلّتها الذّهب والفضّة، وكستها المروى والوشى والقز والخز”.

فقال لها زوجها: أنّى هذا يا مريم؟ فقالت: هو من عند الله، قال: دعي عنك الجملة وهاتي التّفسير والله ما كنت ذات مال قديما، ولا ورثته حديثا، وما أنت بخائنة في نفسك، ولا في مال بعلك إلاّ أن تكوني قد وقعت على كنز، وكيف قد وقعت على كنز، وكيف دار الأمر، فقد أسقطت عنّي مؤنة وكفيتني هذه النّائبة.

قالت: اعلم أني منذ يوم ولدتها، إلى أن زوّجتها، كنت أرفع من دقيق كلّ عجنة حفنة، وكنّا كما قد علمت نخبزُ في كلّ يوم مرّة، فإذا اجتمع من ذلك مكوك بعته، قال زوجها: ثبّت الله رأيك، وأرشدك، ولقد أسعد اللّه من كنت له سكنا، وبارك لمن جُعلت له إلفا”.

لا أظنك يا صديقي قصدت بكلماتك أمرا غير هذا الصنيع الذي دأبت عليه مريم الصناع، والذي لا أرى فيه ضيرا ومع ذلك سأخبرك بأن أمي عندما ولدتني وشقيقاتي ادخرت من كل لقمة كان من الأجدى أن تقتات بها وقاومت الشدائد بصبر وحكمة وكافحت بجد وعاندت قلة الحيلة وقصر اليد وصنعت من المستحيل جسرا متينا عبرنا بفضلها من خلاله إلى منزل على ملكنا الخاص جمعنا في السراء والضراء، وكانت هذه الخطوة أولى الخطوات التي أنقذتنا بها من الخصاصة.

وبعد ذلك حولت كل اهتمامها وما علق بذهنها من حروف مبعثرة تعلمتها من سنواتها القليلة جدا من مدرسة التحقت بها رغما عن الرفض الذي خيم على تعليم المرأة في ذلك الوقت، كانت من أجلنا تعيد ترتيب كلماتها بصعوبة وتعثر مستمر حتى تساعدنا على إنجاز فروضنا المنزلية.

نعم يا صديقي أمي خططت مساري بحكمة وبعد نظر أسرفت في تعليمي قائلة “سلاحك للأيام ودربك لإثبات ذاتك”، ولم تفكر للحظة أن تعبها وسهرها سيقابلان بجحودي مع نفسي بأن ارتمي بأحضان أول عابر سبيل وأن أعلق شهائدي العليا على ناصية طريق رجل.

اعلم يا صديقي أن حياتك لا تخلو من رتابة وحياتي لا تنقصها مشاغل قد تكون مسلسلا ناجحا لا فيلما سينمائيا فحسب، قلوبنا يا صديقي صناديق محكمة الإغلاق قد ترهب أنت نفسك لو حاولت فقط مجرد كسر قيودها.

لا ألومك لكن باللائمة أرمي شعوبنا العربية على تربية ذكورها على الدلال والغنج والسمع والطاعة لسيادة وهمية لا تمارس إلا على المرأة التي هي ذاتها من زرعت في رجالها هذه الخصلة، وكل من يزرع يحصد.

 في النهاية يا صديقي لست كائنا يسير وفق خارطة وسمت حياته بطرق وشعاب لا يحيد عنها بل ذات جالستك على مقاعد الدراسة وتفوقت عليك أحيانا وتجاوزتك في سنين مسارها التعليمي أحيانا وجالستك في العمل وقاسمتك الشقاء والتعب والأجر، ومع ذلك تعود للبيت لتجلس إلى التلفاز وتقوم هي على خدمتك وخدمة أبنائك، بابتسامة الرضا تجالسك بعد ذلك حتى تحاول تخفيف ثقل اليوم عنك.

إن عقل المرأة يا صديقي على رأي الكاتب المصري توفيق الحكيم “إذا ذبل ومات فقد ذبل عقل الأمة كلها ومات”.

21