لن تذهب للدوام بعد الآن، العمل سيأتي إلى البيت

شركة "وي ورك" الأميركية تمنح الموظف فرصة العمل والحياة في مكان واحد لتغيير نمط الحياة الاجتماعية وقتل الروتين.
الأربعاء 2018/06/20
إطار جديد للعمل

 لندن – لم يعد هناك أي داع لمغادرة أرض الوطن وهجر العائلة وقطع الروابط العاطفية مقابل فرصة عمل في الخارج، بعد أن وفرت شركة “وي ورك” الأميركية مساحات للعمل المشترك تغني عن التضحية والسفر لمسافات بعيدة.

وتأسست إمبراطورية “وي ورك”، أكبر مزود لمساحات العمل المشتركة في العالم، قبل 8 سنوات في مدينة نيويورك. وتمتلك حاليا حوالي 240 ألف متر مربع من العقارات في لندن وحدها، مما يجعلها أكبر مزوّد لمساحات العمل في المدينة بعد الحكومة البريطانية. ويصنفها خبراء من بين الشركات الناشئة الخمس الأكثر قيمة في العالم في مجال التكنولوجيا.

ووفقا لتقارير سابقة في صحيفة “وول ستريت جورنال”، تعمل الشركة على توفير مساحات مكتبية وبيئة عمل مواتية للمحترفين والشركات ورواد الأعمال والمحامين والمستشارين وأصحاب الأعمال الحرة.

ويخضع العمل في الشركة إلى معادلة بسيطة: إما أن تدفع مقابلا لوضع الكمبيوتر الخاص بك أينما وجدت المساحة المتاحة، وإما تدفع أكثر للحصول على مساحة أكبر على هيئة مكتب أو شركة، وفي كلتا الحالتين ستحقق الاستفادة من أماكن ومواقع “وي ورك” في 20 دولة حول العالم، والتي توفر فرصة اجتياز العديد من المسافات الهائلة وإقامة المؤسسات في عدد لا متناه من المواقع.

وعلاوة على ذلك، فإن جزءا من فكرة “وي ورك” هو ليس فقط إيجاد مساحة للعمل، ولكن أيضا تقديم خدمات ترفيهية مجانية كجلسات يوغا وبيلاتس وغير ذلك الكثير. ولم يعد رئيس العمل أو الموظف مطالبا بالتقيّد بروتين العمل التقليدي كضرورة الاجتماع بالموظفين ومقارنة المشاريع، فذلك يستهلك الكثير من الوقت.

وقام الكاتب البريطاني جون هاريس بالمقارنة بين أسلوب العمل المتداول حاليا، والعمل على طريقة شركة “وي ورك” الأميركية. وقبل أن يقدم استنتاجاته لكليهما توصل هاريس إلى ضرورة الإجابة أولا عن جملة من الأسئلة تتبادر إلى ذهنه: ما هو وقت العمل، وما هو وقت الترفيه؟ وهل لا يزال يوجد فرق حتى بين المصطلحين؟، لافتا إلى أن “الزبائن الآخرين في ‘وي ورك’ يهتمون بمسألة أخرى ويتساءلون حول مكان عملهم؟ وما الذي يشكل المنزل بالنسبة إليهم؟”.

مأوى تكنولوجي للموظفين

 

تفطّنت شركة "وي ورك" الأميركية إلى أن العمل في شكله التقليدي يحرم الموظف من حياته الاجتماعية ومن حقه في الترفيه مما يفقده التوازن النفسي، كما يؤثر على مردوده ونجاعته المهنية، ورأت أن الحل في تحويل الموظف العادي إلى ما يعرف بالبدو الرقميين حيث العمل الحر دون قيود ودون الحاجة إلى الاغتراب والسفر. وأثبتت "وي ورك" قدرتها على توفير وحدات سكنية للعمال من خلال مشروع "وي ليف"، وبيّنت أن التكنولوجيا قادرة على تحدي النظام الرأسمالي والتمرد على قواعده الصارمة.

تتوسع مؤسسة “وي ورك” عن طريق إنجاز مشروع جديد يسمى “وي ليف”، يتخذ من نيويورك وواشنطن مقرا له، كما تأمل في افتتاح مقر آخر بمدينة سياتل الأميركية.

وإذا أصبح من الصعب الآن إيجاد مكان للإقامة والعيش، في نفس الوقت الذي تحتاج فيه لأن تكون قريبا من العائلة إضافة لمرافقة أصدقائك وأن تعمل بشكل حر، لكن ليس لديك مكان عمل دائم يمكنك من خلاله مقابلة أشخاص يشبهونك في التفكير، فإليك الحل: وهي مجموعة شقق وأستوديوهات صغيرة بالإضافة إلى شقق أكبر من حيث المساحة، تتواجد حول المرافق العامة والمطابخ والمغسلات، وتقع أيضا في نفس مبنى مكاتب “وي ورك”.

ويشير ميغيل مكلفي، أحد مؤسسي الشركة، إلى أن الفكرة تستهدف بشكل جزئي هؤلاء الأشخاص الذين “يعملون بدوام كامل أو الذين يعملون بنصف دوام”. ونقلت التغطية الصحافية للحدث استشهادا لأحد سكان مدينة مانهاتن “تنهض من فراشك وتنزل بالمصعد إلى مكان عملك. الأمر بهذه البساطة”.

وعلى ما يبدو، فإن هذا هو مستقبل الموظف. وعلى الرغم من انتشار هذا الأسلوب بشكل بطيء، فإن آدم نيومان، الرئيس التنفيذي لشركة “وي ورك”، يصر على أن “وي ليف” ستصبح كيانا أكبر من “وي ورك”.

وبعد مرور أربع سنوات من نشر قصص الموظفين الرقميين الذين عملوا حتى 90 ساعة أسبوعيا ويعيشون في كارافانات بالمقر الرئيسي لشركة غوغل في شمال كاليفورنيا، تقوم “وي ليف” الآن بإنشاء مشروع جديد لغوغل سيضم حوالي 10 آلاف وحدة سكنية. كما تعتزم فيسبوك أيضا تطوير مشروع “ويلو فيلدج”، والذي سيوفر نفس الإمكانيات من الوحدات السكنية.

ويستمتع الموظفون في غوغل بما تقدمه لهم الشركة من خدمة نقل مجاني مزودة بواي فاي، من وإلى العمل، بالإضافة إلى الوجبات الصحية، وخدمة تنظيف الملابس واللياقة البدنية، وإجازة أمومة 18 ساعة أسبوعيا مدفوعة الأجر بالكامل، ورعاية الأطفال في مكان العمل، ورواتب مغرية، إذ يتقاضون ما قد يصل إلى 133 ألف دولار بعد خمس سنوات من العمل. وبالنسبة إلى هؤلاء المغامرين في عالم التكنولوجيا إلى درجة لا يكترثون معها بأن كانت تأويهم شركة أو مكان عمل محددين، أو لم ينضموا بعد إلى “وي ليف”، فإن هناك خيارا أكثر إثارة يجذبهم وهو “روم”.

وتركز “روم” على البدو الرقميين، وتعرض أماكن للإعاشة والعمل معا في لندن وسان فرانسيسكو وميامي وطوكيو وأبود في إندونيسيا. وإزاء مقابل يصل إلى 500 دولار في الأسبوع، يمكن لهؤلاء الأشخاص الآن التجول في جميع أنحاء العالم، والمزج في نفس الوقت بين الحياة وممارسة عملهم، وهما نشاطان لا يمكن الآن التمييز بينهما في خيار “روم”، بحسب وصف صحيفة “نيويورك تايمز”.

جون هاريس: يجب أن تدخل الحاجة إلى التمييز بين وقت العمل ووقت الراحة في قاموس المفردات السياسية كحق أساسي
جون هاريس: يجب أن تدخل الحاجة إلى التمييز بين وقت العمل ووقت الراحة في قاموس المفردات السياسية كحق أساسي

وينعكس هذا الخلط بين العمل والترفيه على كل مستوى من مستويات صناعة التكنولوجيا، بدءا من اتخاذ المنازل الصغيرة مقرا للشركات المبتدئة، وأيضا من خلال مساحات العمل والعيش المشتركة التي بدأت بالانتشار في المناطق الحضرية في الصين، إلى المصانع التي ينام فيها العمال مجتمعين في سكن للعمال.

ويؤثر تآكل أي فروق بين أوقات العمل وأوقات الراحة على طبيعة شركات التكنولوجيا الكبيرة في أنه من المفترض أن يكون جميع الموظفين على اتصال في جميع الأوقات، مثل تصفح الصفحات الشخصية وإرسال رسائل البريد الإلكتروني إلى الزملاء، وهكذا.

سياسة سكنية جديدة

نستطيع أن نلحظ نفس الشيء بوضوح أكبر بين الأعداد المتزايدة من الموظفين الذين يعملون بشكل حر، مثل المترجمين، وكتاب السيرة الذاتية، وموظفي تكنولوجيا المعلومات، ومدخلي البيانات، الذين غالبا ما تكون حياتهم مزيجا من المرونة المفترضة، وحالة من عدم الاستقرار التي يعيشونها بشكل يومي.

وتنبّأ المفكر والفيلسوف كارل ماركس، الذي احتفى العالم في مايو الماضي بالذكرى 200 لميلاه، مخاطبا صديقه فريدريك إنجلز بمستقبل صعب ومظلم لعمال العالم في ظل استشراء الرأسمالية. ويعتقد ماركس أنه لا حل إلا من خلال إصلاح الاقتصاد بثورة البروليتاريا، مشيرا إلى “صراع الطبقات العمالية وغياب العدالة في أشكال مختلفة عند ممارسة العمل، وfتضحية الموظف بعائلته ووطنه مقابل حصوله على فرصة عمل تقيه الحاجة”. ويرى ماركس أنه لا يجب الاستسلام لما تفرضه قواعد الإنتاج الرأسمالي.

ويقول إن “البرجوازية لا يمكن أن تتواجد دون إحداث ثورة مستمرة في أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج، ومعها علاقات المجتمع برمته”.

فبعد قرنين من الزمان حاولت خلالها الرأسمالية بشكل متكرر أن تقتل حاجة الإنسان إلى توفير المساحات السكنية أثناء العمل بحيث يستطيع الناس الهروب من المطالب الاقتصادية (بدليل مساكن العمال والمدن السكنية الخاصة بالشركات القديمة)، فإن هذا الميل نفسه بدأ في الظهور حديثا لكن هذه المرة تجنبا لضغط العمل وتوقا للحرية الشخصية.

وأمام ما يفرضه واقع الرأسمالية من حالة تناقض، ماذا بوسع الموظف فعله للتحرر من قيودها؟ وللإجابة عن هذا التساؤل يستوجب إنشاء سياسة سكنية جديدة أولا يدمج فيها العمل. سيكون هناك دائما سوق لعرض المنازل الباهظة. وفي ظل أسعار أستوديوهات “وي ليف” التي تبدأ من أكثر من ألفين جنيه إسترليني في الشهر، سيظهر الكثيرون ممن يمكن جرهم للإقبال على هذا العرض.

لكن كما ثبت من خلال التطورات الأخرى التي تحدث في الولايات المتحدة والصين، والمخطط الرائد في لندن (في حي أولد أوك، في ويلسدين) حيث يمكن الحصول على غرف ضيّقة ذات حمامات داخلية ومساحة عمل مقابل 245 جنيه إسترليني في الأسبوع، وهي أسعار معقولة، فإن الاتجاه نحو المزج بين بيئة العمل والسكن المشتركة عمل على تسليط الضوء على قضية كبيرة: وهي النقص الحاد في المساكن الحضرية ذات الأسعار المقبولة.

"روم" تركز على البدو الرقميين، وتعرض أماكن للعيش والعمل معا في لندن وسان فرانسيسكو وميامي وطوكيو وأبود في إندونيسيا

وبشكل أعم، يجب أن تدخل الحاجة إلى التمييز بين وقت العمل ووقت الراحة في قاموس المفردات السياسية كحق أساسي للموظف، والمنظمات التي تكرس جهودها من أجل محاولة تنفيذ هذه السياسة بحاجة إلى التشجيع والمساعدة.

لذلك قد حان الوقت لأن ندرك أن الموجة العظيمة من الاستياء الشعبي التي تجتاح المجتمعات المتقدمة تتعلق جزئيا بالطريقة التي يدمر بها الاقتصاد الحديث أهم الارتباطات العاطفية للأشخاص. فكل منا يعرف القواعد الحديثة والصارمة للعمل: الملايين من الناس يغادرون أوطانهم للبحث حتى عن نصف فرصة عمل، ثم يكتشفون بعد ذلك صعوبة حصولهم على سكن جديد.

وبالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص الواقعين في أسفل الهرم الاقتصادي، تظهر حياتهم محفوفة بالمخاطر بشكل متكرر وغالبا ما تكون غير آمنة أو مستقرة. أما بالنسبة للطبقات الأعلى قليلا، فيبدو أن أفضل خيار متوفر أمامها هو نسخة متكررة من أسلوب حياة الطالب، وهو أسلوب يمتد معها إلى الثلاثينات من العمر.

لكن المعضلة الأكبر هي عندما يرغب الموظف في تغيير هذا النمط من الحياة ويبدأ بالتفكير في تكوين أسرة. هنا مكمن الداء ورمز للمستقبل السريالي الذي يرغب بعض المستثمرين في الدفع نحوه.

وقد تكون لدى “وي ورك” إجابة عن هذا السؤال، وإن كان ذلك بالنسبة إلى القلة من الناس القادرين على تحمل نفقاتها. حيث أطلقت الشركة مؤخرا فرعا تربويا تحت مسمّى “وي غرو” عن طريق إنشاء مدرسة ابتدائية خاصة في نيويورك تعلِّم الأطفال مجموعة من المهارات بما في ذلك المهارات الذهنية و”ريادة الأعمال الواعية”.

 لكن الفكرة هنا على ما يبدو تستهدف وضع مدارس “وي غرو” ضمن مؤسسات “وي ورك” في جميع أنحاء العالم، بحيث يستطيع البدو الرقميون أن ينقلوا أبناءهم من مكان إلى آخر، وهو ما يجعل الأطفال مشوشين كلما خطرت ببالهم معاني الأرض والوطن، وهو نفس ما تعرض له آباؤهم من قبل.

12