لن نترك الأردن وحيدا

يقدم الأردن اجتماع مكة المكرمة لا سعيا إلى قروض جديدة أو هبات لتغطية العجز... وإنما رغبة في إبرام صفقات تجارية واستثمارات تدر المنفعة على الشباب وعلى الطبقة المتوسطة المهترئة.
الاثنين 2018/06/11
اجتماع مكة سيكون جلسة مصارحة أولا ونزع أسباب الاحتقان الاجتماعي الأردني ثانيا

اجتماع مكّة المكرمة الذي ينعقد بدعوة من العاهل السعودي وبمشاركة ولي عهد أبوظبي وأمير الكويت والعاهل الأردني، للتباحث العاجل حول الأوضاع الاقتصادية الحرجة في الأردن، يستوجب التوقف عند دلالاته السياسية في سياقها الاقتصادي، ومعانيه الاقتصادية في مجالها السياسي.

التقطت الرياض مؤشرات وصول الأزمة في الأردن إلى مرحلة انسداد الآفاق وقلة الخيارات أمام رئيس الحكومة الجديد، وتيقظت لاستعداد مناوئي حلف السعودية والإمارات للعب دور سياسي متخف وراء الاستحقاقات الاقتصادية في المشهد الأردني.

لا يمكن فهم المكالمة الهاتفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليلة السبت الأحد، للعاهل الأردني وترحيبه برئيس الحكومة الجديد، ناهيك عن الهدنة الإعلامية التي أمنتها قناة الجزيرة حيال الاحتجاجات في الشارع الأردني إلا من بوابة الاستثمار المالي والسياسي في الاستعصاء الأردني، لا سيما وأن بعض الخطابات السياسية وجزء من الخطاب الإعلامي في الفضاء الأردني، يذهبان إلى تحميل دول الخليج جزءا من المسؤولية المالية في الأزمة الحالية، ويطرحان بدائل وخيارات ظاهرها الانتشال الاقتصادي، وباطنها دعم محاور إقليمية بعينها ضمن المكاسرة الخليجية والشرق أوسطية المشتعلة منذ أكثر من سنة على الأقل. والحقيقة التي لا بد من رصدها في هذا السياق أنّ العلاقات بين الأردن وعواصم الخليج ممثلة في الرياض وأبوظبي لم تكن على أحسن ما يرام، على الأقل في ثلاثة ملفات كبرى.

الملف الأول متمثل في قضية الاعتراف الأميركي بتهويد القدس وسحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة، إذ ترى أوساط أردنية كثيرة أنّ ردّة الفعل لم تكن في حجم القرار الأميركي، كما أن ترتيبات ما يوصف بصفقة القرن مثيرة للريبة لأصحاب القرار في عمان خاصة وأنهم باتوا مستبعدين من قبل البيت الأبيض عن ملفات التسوية في المنطقة.

لا يمكن فهم المكالمة الهاتفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للعاهل الأردني وترحيبه برئيس الحكومة الجديد، إلا من بوابة الاستثمار المالي والسياسي في الاستعصاء الأردني

الملف الثاني متجسد في الموضوع السوري بمختلف إشكالياته، حيث يعتبر أنّ مختلف العواصم المشاركة في غرفة العمليات المشتركة المعروفة بالـ”موك” بدأت تتنصل رويدا من المستنقع الشامي تاركة الأعباء الإنسانية (أكثر من مليون نازح ولاجئ)، والأمنية (ميليشيات مسلحة من الإسلام السياسي المتشدد على حدودها)، على عاتقها دون مشاركة حقيقية في تحمل الأوزار.

أما الملف الثالث فهو مرتبط بالملف اليمني، حيث تحمل بعض الجهات الخليجية على الأردن مشاركته الرمزية في عاصفة الحزم وتقدم دول أخرى عليه، على غرار السودان، سواء في مستوى المشاركة الميدانية أو في مستوى تقديم الضحايا، فيما ترد المؤسسة العسكرية الأردنية أنّ الوضع في البلاد مع جبهتين مفتوحتين، السورية والعراقية، وأخرى مضطربة مع فلسطين المحتلة، لا يمنح لها ترف التفكير في تدشين جبهة عسكرية رابعة، حتى وإن توافقت مع عواصم الحزم في منطلقات الحرب وأهدافها.

تأتي دعوة العاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز لتكون جلسة مصارحة أولا ونزع أسباب الاحتقان الاجتماعي الأردني ثانيا. اجتماع مكة يستبق حدثين مهمين ضمن المشهدية الأردنية، الأول اجتماع القمة الأردنية الكويتية وعلى رأس أولوياته سبل استنهاض الاقتصاد الأردني، والثاني تشكيل الحكومة ورسم استراتيجية عملها.

وفي الحالتين تأكيد سعودي أن الرياض لن تترك الأردن وحيدا أمام جغرافيا سياسية قاسية وأمام قوى إقليمية تبحث عن حلفاء جدد في لعبة الاصطفافات والمحاور الكبرى.

المتابع للخطاب السياسي للعاهل الأردني ولرئيس الحكومة المكلف، يدرك أننا حيال ذهنية جديدة لا تسعى إلى تقديم مسكنات مالية في مقابل هدنة اجتماعية أو هدوء عابر للغضب الشعبي، وإنما تبتغي صناعة الثروة واجتراح الحلول الدائمة وتجاوز الأزمة بشكل جوهري حتى وإن استدر زمنا اقتصاديا قد يفضي إلى تبرم في صفوف الشباب.

على هذا الأساس يقدم الأردن اجتماع مكة المكرمة لا سعيا إلى قروض جديدة أو هبات لتغطية العجز وكفّ أيدي صندوق النقد الدولي على الوضع الداخلي، وإنما رغبة في إبرام صفقات تجارية واستثمارات تدر المنفعة على الشباب وعلى الطبقة المتوسطة المهترئة.

للأردن مكانة خاصة في المملكة العربية السعودية، لا فقط لأن العاهل الأردني من مواليد مكة المكرمة، ولا أيضا لأن المملكة الهاشمية تتقاسم مع السعودية مهمة الإشراف على البقاع الإسلامية المقدسة، بل لأن الدور الذي تلعبه الأردن في ملفات المنطقة محوري وأساسي ويتكامل مع المقاربة السعودية لملفات المنطقة.

9