لن نكون جميعا عارضات أزياء

الأحد 2017/01/29

لا يفوت يوم دون أن تعترض متصفحي صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الصحف ووسائل الإعلام المكتوبة والمرئية عناوين مثل “إليك أحدث وصفة للتخسيس” أو “اخسري 10 كيلوغرامات في أسبوع” أو “أفضل حمية لخصر نحيف” وغيرها الكثير، وليس من المبالغة في شيء الجزم بأن كلّ من يتصفح الإنترنت يوميا ويطّلع على مختلف وسائل الإعلام العربية تعترضه على الأقل عشرة عناوين مشابهة، جميعها تقدم وصفات للتخسيس وتخفيف الوزن.

ظاهريا يبدو ذلك جيدا في إطار التشجيع على التخلص من السمنة وتجنب آثارها السلبية على جسم الإنسان وكذلك التحفيز على اتّباع نظام غذائي صحي. لكن هذه المبالغة في وصفات التخسيس وتنوع واختلاف مكوناتها ومصادرها جعلها أولا تفقد مصداقيتها وجودتها، وثانيا أصبحت مملّة وتبعث على السخرية لأنّ لكلّ وصفة طريقة ومكونات تتضارب أحيانا من ناحية جدواها وفاعليتها مع باقي مكونات الوصفات الأخرى لا سيما تلك التي تتعلق بالحيل بتناول نوع معين من الأدوية أو الأعشاب والتي تشجع على ترك الحميات الغذائية القاسية والمكلفة وعلى إهمال الرياضة والنشاط البدني بشكل عام.

وهذه النوعية من النصائح أو الحلول للتخلص من البدانة أصبحت تضرّ بالصحة أكثر ممّا تنفعها. ثم لماذا لا توجه هذه الوصفات ولا تخاطب في عناوينها إلا المرأة؟ هل السمنة تضرّ بصحة المرأة فقط؟ هل النظام الغذائي الصحي لا يكون صحيا إلا للنساء؟ هل تعاني المرأة فقط من السمنة ومن تداعياتها ومشكلاتها؟ لماذا هذا التركيز المفرط على المرأة؟

الرجال أيضا يصابون بالبدانة ويعانون منها صحيا ونفسيا. والرجال أيضا يحبون الرشاقة ولعلهم يسعون أكثر من النساء لاكتساب جسم رشيق وجذاب. ويهتمون أيضا بصحتهم وبغذائهم وبالموضة. إذن لماذا هذا التمييز المبطّن في هذه العناوين؟ لماذا تخاطب الغالبية الساحقة فيها المرأة؟

صحيح أن المرأة تهتم بجمالها ورشاقتها وصحيح أنه ينظر لها على أنها الجنس الجميل واللطيف لكن لا أدلة على أن اهتمامها بهذه الجوانب يفوق اهتمام الرجال، ولا توجد إحصائيات تثبت ذلك. لذلك فلتخاطب هذه العناوين الجميع على حدّ سواء ولا تفرقة ولا تمييز بين الرجال والنساء في مجالات التخسيس وحتى التجميل والأناقة والموضة. فالرجال أصبحت لديهم صيحات الموضة الخاصة بهم سواء في اللباس أو في حلاقة الشعر ولهم كذلك عروض أزياء ومصممون يسهرون على وضع أحدث التصميمات لهم. ولدينا في مجتمعاتنا العربية وعائلاتنا أولاد ورجال يهتمون بأناقتهم وجمالهم أكثر من أخواتهم البنات.

إن هذه الوصفات المملة جعلتني أكره النحافة أصلا وأتساءل عن فائدتها. فهل ستصبح كل الفتيات عارضات أزياء بخصر ممشوق وقوام نحيف ونحيف جدا إلى درجة البشاعة؟ وهل تستهدف هذه الوصفات النساء بالذات لاعتقادها بأنهن ناقصات وعي ومعرفة ومهووسات بالرشاقة إلى درجة يلقين بأنفسهن أحيانا في التهلكة لأجل النحافة ولفت أنظار الرجال؟ فالكثير من الفتيات ألحقن بأنفسهن أضرارا صحية جراء اتّباع هذه النصائح وتطبيق بعض الوصفات واستعمال العديد من المستحضرات التي يحتوي بعضها على مكوّنات ضارّة وسامة.

المتأمل بعمق في وصفات التخسيس وفي عناوينها على كثرتها يستنتج أنها لا تسعى للارتقاء بالمرأة ككيان بل هي تسعى لتغيير صورتها باعتماد معايير غربية باتت تروق اليوم للرجل العربي، هي تمييزية بدرجة صارخة وفاضحة لأنها تكرس تشييء المرأة وتختزلها في الصورة الجميلة التي تعجب بعض الذكور. هي في جوهرها تستهدف تكريس الصورة السطحية للمرأة لا تركز إلا على شكلها وتحوّلها إلى بضاعة تستجيب لميول الرجل ولذوقه. ويمكن القول بشيء من التطرف النسوي العربي إنها تروّج لثقافة دخيلة وكأنها تريد أن تقول إن النساء العربيات لا يمكنهن أن يكنّ جميلات ومرغوب فيهن إلا إذا كنّ بشكل واحد نحيف يشبه المرأة الغربية، وهي أيضا تروّج لثقافة عدم قبول الاختلاف حيث باتت البدينات في مجتمعاتنا العربية تعانين من نظرة اجتماعية دونية. كما أنها تبثّ ثقافة وهويّة غير هويّتنا العربية لأن آباءنا وأجدادنا كانوا يحبّذون المرأة الممتلئة وأحيانا البدينة.

هذا ما يؤكده إرثنا الثقافي العربي المحكيّ والمكتوب والشعبي، ولدينا رصيد هام من الأشعار التي تتغزل بالمرأة الممتلئة، إضافة إلى لوحات ومنحوتات كثيرة تجسّد جمالها. إذن يكفينا من وصفات التخسيس فلن نكون كلنا عارضات أزياء ولا نريد جمالا مشروطا باستنساخ وتقليد شكل المرأة في الغرب. لكل امرأة سرّها وجمالها، وللجسد العربي خصائصه وميزاته لذلك فعلى كل امرأة أن تختار الصورة التي تريد والتي تسعدها وتعجبها هي بدرجة أولى، طبعا مع مراعاة صحّتها ورغباتها في آن وعليها إهمال القوالب الجاهزة التي تريد تعليبها لتروق للمستهلكين.

صحافية من تونس

21