لن يحقق ترامب للفلسطينيين ما لم يحققه كارتر أو أوباما

الأحد 2017/09/03

منذ مجيئه إلى رئاسة البيت الأبيض أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعاطفا واضحا وغير محدود مع إسرائيل، وقد تبدّى ذلك في مسألتين تحرص السلطة الفلسطينية على تأكيد التمسّك بهما كشرط لعملية التسوية، ولأي مفاوضات بشأنها، الأولى، تتمثل بتنصّله من حل الدولتين، أو من خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، لصالح أي حل آخر، يهبط بسقف الفلسطينيين وحقوقهم. والثانية تتمثّل بتغطيته مواقف إسرائيل المتعلقة بمواصلة أنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية.

وبشكل أكثر تحديدا، فإن ترامب أحال تقرير الأمر في المسألتين المذكورتين إلى التوافقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي الوصفة المعروفة والمراوغة التي تتضمن أولا، نزع أي مرجعية قانونية دولية لعملية المفاوضات. وثانيا ترك الفلسطينيين مكشوفين إزاء إسرائيل، دون أي إسناد خارجي، بحكم قوتها وتحكمها في أوضاعهم بالداخل.

على أي حال فإن القيادة الفلسطينية التي تبدي حذرا، هذه المرة، من السياسات التي ينتهجها ترامب، أو التي قد ينتهجها مستقبلا، تبدي في ذات الوقت نوعا من المراهنة على بعض مواقفه، أو على ما تعتقد أنها خطته لاستئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، والتي تتباحث بشأنها مع مبعوثي الرئيس الأميركي، أي صهره ومستشاره جاريد كوشنر ومبعوثه الشخصي إلى عملية السلام جيسون غرينبلات، اللذين قاما بعدة زيارات إلى فلسطين/إسرائيل اجتمعا خلالها مع الرئيس الفلسطيني ومسؤولين فلسطينيين، ومع رئيس الحكومة الإسرائيلية ومسؤولين إسرائيليين، مثلما حصل في أواخر الشهر الماضي.

في كل اجتماع مع الفلسطينيين سمع المبعوثان الأميركيان نفس الكلام من القيادة الفلسطينية بشأن أن على إدارة ترامب إعلان موقفها من مسألة حق الفلسطينيين بإقامة دولتهم في الأراضي المحتلة (1967)، وضرورة وقف الاستيطان لا سيما في القدس، وأن على الإدارة الأمريكية أن تحدد رؤيتها بخصوص عملية التسوية وسقفها الزمني. هكذا قد يمكن الاستنتاج أن تلك هي الحدود الدنيا للموقف الفلسطيني، بيد أن الأمور لا تقف عند هذا الحد، إذ أن إسرائيل التي رفضت تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها في اتفاق أوسلو (1993)، الخاصة بالمرحلة الانتقالية، رغم مرور قرابة ربع قرن، وفي ظروف أصعب، وفي ظل حكومات بيريز وباراك وأولمرت، لا تبدو مستعدة لتنفيذ المطلوب منها، لتسيير عجلة التسوية مع الفلسطينيين، في ظل حكومة يمينية يرأسها بنيامين نتنياهو.

وربما يمكن تفسير ذلك، أيضا، بأن إسرائيل، وفي هذه الظروف الدولية والإقليمية تبدو في أوضاع أفضل بكثير من السابق، وغير معنية بالتسوية، لا سيما بالنظر إلى تصدع عمق الفلسطينيين، مع الانهيار الدولتي والمجتمعي في المشرق العربي، بخاصة في سوريا والعراق، وانهيار ما كان يعرف بالجبهة الشرقية، ومع ظهور الخطر الإيراني في المنطقة، ومع تركيز الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب، وتحقيق الاستقرار في العالم العربي.

وبديهي أنه في هذه الظروف فإن سطوة إسرائيل على الفلسطينيين تبدو أكثر وطأة من السابق، فهي التي تسيطر على المعابر مع العالم الخارجي وعلى البني التحتية والحركة التجارية، وعلى التواصل بين الفلسطينيين في الداخل، ناهيك عن سيطرتها السياسية والأمنية.

على ذلك فمن البديهي أن الفلسطينيين الذين لم يتمكنوا من إقامة دولة مستقلة لهم في ظل رؤساء أميركيين سابقين، مثل كارتر أو كلينتون أو أوباما لن يتمكنوا من ذلك في ظل رئيس مثل ترامب، وفي ظل رئيس حكومة مثل بنيامين نتنياهو، بخاصة أن آخر تجربة تفاوضية جرت قبل ثلاثة أعوام أثبتت أنه لا يوجد عند نتنياهو ما يعطيه للفلسطينيين. أيضا فإن الأجواء في الإدارة الأميركية، وفي مطابخ السياسة الإسرائيلية، تفيد بأن ثمة في الوضع الدولي والإقليمي، وبناء على التصدعات الحاصلة في العالم العربي، ما يغري بالذهاب نحو تسوية إقليمية، وأن هكذا تسوية ربما تمهد لإيجاد نوع من التسوية مع الفلسطينيين، وذلك على عكس ما كان يعتقد سابقا من اعتبار التسوية الفلسطينية بمثابة البوابة للتسوية الإقليمية، كأن التسوية الإقليمية ورقة بيد الفلسطينيين ضد إسرائيل.

إزاء هذا الوضع فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بإبداء المزيد من الحذر في التعاطي مع السياسات الأميركية والإسرائيلية، وضمن ذلك عدم وضع نفسها في مواجهة السياسة الأميركية، أو كمن يرفض المفاوضات، لأنها لا تملك القدرة على تحمل تبعات ذلك. وبشكل أكثر تحديدا، فإن المطلوب أولا عدم المراهنة على أي عملية تفاوضية في هذه الظروف، والتعامل معها كإطار للصراع السياسي مع إسرائيل. وثانيا بذل المزيد من الجهود لوضع هذه القضية في إطار المسؤولية الدولية، لأنها أكثر قضية لا تحتاج إلى مفاوضات، إذ أن قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية تفي أو تغطي كل ما هو مطلوب لحقوق الفلسطينيين في حدها الأدنى. وثالثا، في غضون هذا وذاك فإن المطلوب، الأكثر إلحاحا، من القيادة الفلسطينية، تركيز جهودها لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، بما يلبي إعادة بناء الكيانات الفلسطينية على أسس تمثيلية ومؤسسية وديمقراطية (المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات الشعبية)، وتجديد شرعية هذه الكيانات التي أضحت متآكلة.

وباختصار فمن الخطأ استمرار مراهنة القيادة الفلسطينية على عملية المفاوضات، ووضع كل ثقلها في هذه العملية، إذ ثمة أهم من ذلك يمكن لهذه القيادة أن تفعله إزاء نفسها وإزاء شعبها، وهو إعادة بناء وترتيب البيت الفلسطيني.

كاتب سياسي فلسطيني

6