لن يصبح الإسلاميون ديمقراطيين إلا بانتصار الديمقراطية في المجتمع

الاثنين 2013/09/09
هل يستعيض الإسلاميون بالديمقراطية عن «ثقافة المتاريس»؟

بدأ الحوار مع محمد الشريف الفرجاني بطرح إشكالية علاقة الإسلاميين بالديمقراطية؛ فقد كان هؤلاء يعلنون عداءهم للديمقراطية، في البداية، ولا تزال بعض التيارات الإسلامية تجاهر بهذا الموقف إلى اليوم، أما حركة «النهضة» (الاتجاه الإسلامي سابقا) فقد أصبح قياديوها يتحدّثون عن الديمقراطية بعد الحملة القمعية التي استهدفتهم في الثمانينات.

وكان مفهومهم للديمقراطية يتلخص فقط في طلب مساندتهم ضد القمع الذي يستهدفهم ولكن دون أي التزام من جانبهم بممارسة الديمقراطية لدى وصولهم إلى السلطة، بل وأكثر من ذلك كانوا يعتبرون أي نقد لمواقفهم السياسية أو رؤاهم الفكرية عملا عدائيا إزاءهم، وانطلاقا من اعتبار أنفسهم ممثلي الإسلام الوحيدين، يعتبرون من ينقدهم كافرا وعدوّا للإسلام، وهذا ما يفرض سؤال مدى اقتناع الإسلاميين بالديمقراطية فكرا وممارسة.

في هذا الصدد أكد الفرجاني أن هذه الظاهرة تفسرُ بأن «مفهوم الإسلاميين للديمقراطية مختزل في اعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة فقط. إنّ الديمقراطية وحقوق الإنسان بالنسبة لهم مجرد وسائل لمناهضة القمع ومناهضة التعذيب الذي يلحقهم. لقد كان خطابهم مزدوجا، وأعتقد أيضا أن من بينهم من بدأ، جاعلا من الديمقراطية وسيلة يحتمي بها كباقي الوسائل. ولكن أعتقد أن مِن بينهم مَن، باحتكاكه بمناضلي حقوق الإنسان وبالديمقراطيين، نشأت لديه أزمة أخلاقية مع هذا الموقف. وأُعطي هنا أمثلة حميدة النيفر الذي أسس رابطة تونس للثقافة والتعدد، وصلاح الدين الجورشي وزياد كريشان».

وباعتبار أن المجموعة المشار إليها تكاد تمثل تيارا معزولا داخل نسق الإسلام السياسي أو ما يشبه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فقد علّلَ الفرجاني ذلك بأن « التيار الإسلامي لا يمكن أن يتغيّر بمجمله، إلا إذا انتصرت الديمقراطية في المجتمع. ولا مراهنة على التحول الديمقراطي للإسلام السياسي قبل انتصار الديمقراطية في المجتمع، أي قبل أن تصبح الديمقراطية واقعا مفروضا على الجميع بما في ذلك هؤلاء، عند ذلك سوف يتحول هذا التيار وليس قبل ذلك، تماما مثلما حدث بالنسبة للمسيحية السياسية».

محمد الشريف الفرجاني
باحث تونسي مختص في الشؤون الإسلامية، متخصص في تاريخ الأفكار والمؤسسات الدينية والسياسية في العالم العربي

- أستاذ جامعي في قسم الدراسات العربية بجامعة ليون الثانية بفرنسا

- تولى مهام إدارة قسم الدراسات العربية بنفس الجامعة

- إدارة مجموعة البحث والدراسات حول البحر المتوسط والشرق الأوسط

- عضو مؤسس للهيئة المديرة للمعهد العالي للأديان واللائكية.

- نشر العديد من المقالات والدراسات العلمية في النشريات المختصة كما أن له مؤلفات خاصة ومساهمات في مؤلفات جماعية.

- صدر له بالعربية: السياسي والديني في المجال الإسلامي، عن منشورات مقدمات بالمغرب الأقصى 2008 وهو مترجم عن كتابه « Le politique et le religieux dans le champ islamique « الذي صدر في طبعته الأصلية بالفرنسية عن دار فايار، باريس 2005. كما صدر في ترجمة أسبانية وأخرى إنكليزية.

في ما يتعلّق بالتصور القائل بأن الثورة يجب أن تقوم ضدّ الإسلام السياسي كما ضد الديكتاتورية، التصور الذي يستحضر التجربة التي مرت بها أوروبا حين اندلعت الثورة العقلانية البورجوازية (فكريا وثقافيا) ضد الكنيسة وضد الاستبداد، أكد الأستاذ الفرجاني أنه لا مناص من هذا عندنا أيضا؛ وقال «من هنا تأتي مناهضتي للمقولات الماهوية التي ترى أن هناك خصوصية إسلامية وخصوصية مسيحية وخصوصية بوذية وخصوصيات داخل كل ديانة، وخصوصية داخل كلّ فرقة، أنا ضد كلّ هذا. قلت لا يمكن لأية جماعة عقائدية أن تقبل بالديمقراطية قبل أن تنتصر الديمقراطية، الانتصار الديمقراطي، في المجتمع وفي الثقافة، هو الذي سوف يؤدي إلى التحاقهم، تراجعا وليس بمبادرة منهم، وبعد الهزائم التي تلحقهم. يعني أنهم سيتراجعون محطة، محطة، إلى أن لا يبقى لهم شيء آخر سوى القبول بالديمقراطية. وسوف يقولون لنا، كما قالوا في الماضي: أسس الديمقراطية موجودة لدينا، والمشكلة ليست في الدين بل في من فهموا الدين فهما خاطئا. لقد رأينا هذا في العلاقة بقانون إلغاء العبودية، في القرن التاسع عشر. حينها ثار مشايخ الزيتونة في تونس، التي كانت أوّل بلد إسلامي يُلغي العبودية، وقالوا هذا القانون ضدّ الإسلام لأن الإسلام يبيح لنا أن امتلاك العبيد. ثمّ لما أصبحت العبودية منبوذة في كل المجتمعات الإنسانية، ولم يعد يوجد اليوم إنسان يفكر في استعباد إنسان آخر، يمتلكه ويفرض عليه إرادته، قالوا: الإسلام هو الذي حرّر العبيد، ونفس الشيء قالته المسيحية: المسيح ضد العبودية، ونفس الشيء قاله رجال الدين اليهود».

وأضاف الفرجاني في السياق نفسه «من يتبنى عقيدة من العقائد لا يمكنه أن يغيّر تلك العقيدة إلا لما تصبح عاجزة عن التوفيق، أي مساعدة الإنسان في أن يوفق بين ما يعتقده وما يحياه. وعندما يصبح ما يحياه الإنسان في طلاق تام مع ما يعتقده، عندئذ تحسم القضية وتتوفّر الظروف الموضوعية لحسم القضية. وما أقوله الآن عن العقائد الدينية ينطبق على العقائد الفلسفية».

وتفاعلا مع الرأي القائل بأن سقوط الإسلام السياسي في تونس ومصر مرتهن بسقوط منظومة كاملة ذكّر الفرجاني بأن شعار «الإسلام هو الحل» رفع في وجه تأزم الدول الوطنية التي قامت بعد الاستقلال والتي كانت ذات طبيعة سلطوية جعلتها تتحول إلى دكتاتوريات، تقمع شعوبها أكثر مما تدافع عن أراضيها وعن البلاد، يعني أنّ الجهد الأساسي موجه لفرض الاستبداد الداخلي أكثر مما هو موجّه لحماية التراب الوطني. وأمام هذه الأزمة انتعش فكر الإسلام السياسي. وفُسّر فشل هذه الأنظمة على أساس أنه كان بسبب القطيعة مع الإسلام ولهذا يُصبح «الإسلام هو الحل».

وعرّجَ إلى أننا «شهدنا عدّة تجارب، إلى حد الآن، عمل أصحابها انطلاقا من هذا الشعار، ولكنّها ظلت هامشية وبيّنت أن هذه المقولة لا معنى لها. من هذه التجارب التجربة السودانية والتجربة الإيرانية، وإن كانت التجربة الإيرانية قد أسعفتها الحرب على العراق لمدة عشر سنوات، كما أسعفها، ويسعفها، هذا «التأييد الخارجي» الذي يجعل كل من يريد أن ينقد السلطة في موقع الخائن الذي يعمل لحساب قوى أجنبية. ثم التجربة الجزائرية أيضا التي بينت عقم هذه المقولة وفشلها.

لكن الجديد الذي بدأنا نلاحظه اليوم في مواجهة هذا الأسلوب هو كيف سنطبق ما جاء في القرآن، حين تجد نفسك أمام آية تقول «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وأخرى تقول «فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد» كيف ستطبق عندما تجد نفسك أمام آية تقول لك «لا إكراه في الدين» والأخرى تقول لك «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»؟ ماذا ستطبق؟»

وأضاف «هذا يعني أنك ستطبق الـتأويل وستقول هذا عام وهذا خاص، وهذا حكم مطلق وهذا حكم مُقيّد، إلى آخره، ولك الحق. من قال هذا؟ هذه قراءتك أنت، ولغيرك الحق في أن يقرأ قراءة مخالفة. الاختلافات تبدأ من هنا، ومن هنا جاءت الاختلافات بين الفقهاء، لقد ألّف ابن رشد كتابا في الفقه اسمه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» يبين فيه أن في كل القضايا، الاختلافات أكثر من التوافقات ويقول هذا شيء طبيعي، لأن الحكم ورد في نصه عاما وقابلا للتأويل بصيغ مختلفة.

هناك الكثير من القضايا التي لم يَرد فيها حكمٌ خلافا لما يقوله الشافعي: «ليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها».

وأخيرا خَلُص الفرجاني إلى أن « الشافعي كان أوّل من بدأ هذه المأساة. وقد ألف الأستاذ زكريا أوزون كتابا بعنوان: «جناية الشافعي تخليص الأمة من فقه الأئمة» يردّ فيه على الشافعي والأستاذ أوزون هو صاحب كتاب آخر يحمل عنوان: «جناية البخاري- تخليص المسلمين من إمام المحدثين».

13