لهذه الأسباب لن تنهار تونس

الذين يراهنون على انهيار تونس ستخيب آمالهم، وكما نجحت في تجاوز آثار الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم وتزامنت مع انطلاق الثورة وحيدة، ستتمكن من تجاوز آثار أزمة كورونا وحيدة أيضا.
السبت 2021/06/19
تونس لن تنهار

تونس لا تعيش اليوم أفضل أوقاتها، هذا صحيح. ولكن تونس أيضا ليست على وشك الانهيار، كما يحاول البعض ترويجه.

من يتابع التغطية الإعلامية لوسائل إعلام دولية لأحداث تلت نشر مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يظهر قاصرا أوقف في 9 يونيو الجاري، عاريا ويتعرّض للضرب، قبل أن يقتاده أشخاص يُعتقد أنهم رجال أمن بثياب مدنية نحو سيارة للشرطة، ومواجهات بين شبان مع عناصر من الشرطة في حي “سيدي حسين – السيجومي” بضواحي تونس العاصمة، عقب وفاة شاب بعد توقيفه، يظن أن تونس مقبلة على ثورة وحرب أهلية. بينما ما حدث ويحدث في حقيقة الأمر دليل على أن تونس بخير، وأن لا خوف عليها.

تونس محمية بأهلها وبنظامها الإداري والأمني والقضائي. الحادث، وهو مؤلم، إلا أنه يثبت أيضا أن تونس بخير. بل يمكن القول إن تونس اليوم واحدة من أفضل الدول العربية وأكثرها صلابة.

ومع ذلك، لا تصحّ مقارنة ما حدث في تونس، بما يحدث في دول عربية مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن، بل وفي الجارتين ليبيا والجزائر. سيكون في مقارنة مثل هذه ظلم وإجحاف.

ما حدث مؤلم، ولكنه أيضا حالة معزولة، تحدث ليس في دول العالم الثالث، بل في دول ذات أنظمة ديمقراطية عريقة. هل نسينا ما حصل في الولايات المتحدة وفي فرنسا منذ فترة ليست بالبعيدة.

التونسيون من أكثر شعوب الأرض غيرة على مؤسساتهم القضائية والأمنية والإدارية، وهذه الغيرة هي ما دفعهم للاحتجاج على الحادث، حرصا على سمعة هذه المؤسسات الطيبة.

يعلم التونسيون أن الأخطاء المهنية أمر لا مفر منه، وهي تحدث في الطب والقضاء والهندسة وفي جميع المهن، ولكن ما هو مهم أنها حالات معزولة لا تعكس ظاهرة فساد.

استطاعت تونس أن تجتاز عشر سنوات عجاف، وخرجت من ثورتها البيضاء، وهي حقا بيضاء، لتواجه أزمة اقتصادية شملت دول العالم.

وحيدة، استطاعت تونس أن تجتاز الأزمة وبأقل الأضرار

لنذكر بما كان عليه الحال في اليونان، وإيطاليا، والبرتغال وإسبانيا، بشكل خاص، وهي دول أوروبية ما كان لها أن تجتاز الأزمة الاقتصادية لولا دعم الاتحاد الأوروبي لها.

صمدت تونس، ولم توقف من تقدمها الخلافات السياسية بين الأحزاب، بل كانت هذه الخلافات مصدر قوتها وسره. لم تتوقف حركة العمران، ولم يتراجع الاستثمار في السياحة والصناعة، ولم تغلق المؤسسات العلمية والتعليمة أبوابها، بل على العكس ازدهرت الجامعات الخاصة التي استطاعت أن تجذب طلبة من الدول الأفريقية.

وحيدة، استطاعت تونس أن تجتاز الأزمة وبأقل الأضرار.

وبينما تونس تتهيأ لقطف ثمار ثورتها، جاءت جائحة كورونا، لتعرقل هذا النجاح. ولكن، تونس في هذا ليست استثناء، العالم كلّه أصيب بالشلل. وحاولت تونس المتعبة أن تخفف من آثار الجائحة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

السلبيون والمتمسكون بالماضي، وظفوا الأزمة الناجمة عن الجائحة ليقولوا “ألم نقل لكم”.

ماذا قلتم لنا؟ هل تحاولوا إقناعنا أن دولة دكتاتورية أفضل من دولة حريات وقانون؟

Thumbnail

الصور التي تنقلها قنوات إعلامية لشباب محتج، حق يراد به باطل. هو حق تضمنه لهم تونس، الجنة الديمقراطية التي تكاد تكون وحيدة في العالم العربي. وهو باطل، لأن تلك القنوات تحاول أن توهم بأن تونس على شفا حفرة من نار.

قصار النظر فقط، سيرون في الخلافات الدائرة بين قصر قرطاج، وقصر القصبة، وقصر باردو، وساحة محمد علي، دليل اعتلال. الخلافات على عكس ما يظنه الشامتون دليل صحة وتعافٍ.

لن تنطلي الحيلة على التونسيين، وإن انخدع بعض منهم بعض الوقت. وكما نجحت تونس في تجاوز آثار الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم وتزامنت مع انطلاق الثورة، وحيدة، ستتمكن تونس من تجاوز آثار أزمة كورونا وحيدة أيضا.

في العام 2005 كتبت أول مقال لي عن تونس، في تونس. وكان بعنوان “تونس ليست مدينة فاضلة.. تونس مدينة من لحم ودم وعرق”.

التونسيون من أكثر شعوب الأرض غيرة على مؤسساتهم القضائية والأمنية والإدارية، وهذه الغيرة هي ما دفعهم للاحتجاج على الحادث، حرصا على سمعة هذه المؤسسات الطيبة

18 سنة مرت، وإن كان لي بعد هذا الوقت كله أن أصف تونس، ما وجدت أفضل من هذا العنوان وصفا لها.

الذين يراهنون على انهيار تونس، ستخيب آمالهم وهذه ليست نبوءة عراف، بل نبوءة شخص عرف عن قرب أن تونس دولة مؤسسات وقانون.

كانت تونس دولة مؤسسات في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وفي عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي. وبقيت دولة مؤسسات في عهد أربعة رؤساء حكموا تونس بعد الثورة هم: محمد فؤاد المبزع، والمنصف المرزوقي، والباجي قائد السبسي، والرئيس الحالي قيس سعيد.

تونس لن تنهار. ببساطة، لأنها دولة مؤسسات وقانون.

شعب يرفع شعارات تؤكد أنه سيرضى أن يعيش بالخبز والماء على أن يرضى بالظلم، لا خوف عليه.

خلال عشر سنوات وأزمتين وثورة، لم تشهد الأسواق التونسية نقصا في المواد الغذائية، ولم تنقطع الكهرباء والماء والغاز عن التونسيين، ولم يتوقف عمل المحاكم، ولم يتوقف رجال الأمن عن حماية الناس.

إن لم تكن هذه معجزة، فماذا تكون؟

9