لواء يازجي: مشاريع الترجمة ظلمت المسرح الأنكليزي المعاصر

الخميس 2015/01/22
لواء يازجي: أعتقد أن مشاريع الترجمة ظلمت المسرح الأنكليزي المعاصر

عمان- مسرحية “أُنقِذَ” التي أسست لاسم الكاتب والشاعر الأنكليزي “إدوارد بوند” تصنف من بين أكثر الأعمال المسرحية المؤثرة والمثيرة للجدل في التاريخ. الشاعرة والكاتبة المسرحية السورية لواء يازجي قامت بنقل المسرحية إلى العربية، بعد مجموعتها الشعرية الأولى “بسلام من البيت نخرج”، والفيلم السينمائي الأول الذي قامت بإخراجه “مسكون”. “العرب” التقت بلواء وحاورتها حول هذه التجربة الجديدة في ميدان الترجمة وعن ردود أفعال القراء حول هذا المولود الجديد وعن عدة مواضيع أخرى.

من الواضح أن لدى الشاعر والكاتب الأنكليزي إدوارد بوند (1934) مشروعا مسرحيا لا يمكن حصره في إطار الفن فقط، بل لا بدّ من النظر إليه في ضوء علاقة المسرح بالسياسة وعلم الاجتماع، إذ يجد بوند أن المسرح هو مجال البحث في الإنسانية وساحة لأخذ القرار، إنه ليس بمكان لنشر الحقيقة لكنه مصدرٌ لتزويد الرؤى عنها؛ مكانٌ يمكننا من خلاله أن نحلم بمحاصرة العنف.

ولبوند أكثر من خمسين عملا مسرحيا معظمها تمّ عرضه على خشبات أعرق المسارح البريطانية، كمسرح الديوان الملكي ومسرح رويال كورت والمسرح الوطني.

اليوم أصبح نص “أُنقِذَ” بين يدي القارئ العربي، وهو صادر عن ممدوح عدوان، وقد قامت بترجمته الشاعرة والكاتبة المسرحية لواء يازجي، ويعتبر التجربة الأولى لها في مجال الترجمة، والحقيقة أن مسرحية “أنقذ” تحفة فنية يُحتفى بها بسبب دورها في الصراع لإلغاء قانون الرقابة.

هناك دائما بادرة أولى للواء يازجي في مجالات فنية عديدة، إلا أن تجربة الترجمة هذه يمكن أن تثير الكثير من التساؤلات، بداية من كون الكاتب غير معروف للقارئ العربي وهو ما يشكل الكثير من التحديات للمترجمة ولدار النشر، وحول هذه النقطة بالذات تقول لواء يازجي: «من المحزن حقا ندرة أعمال إدوارد بوند المنقولة إلى العربية، فهذه الأعمال -عدا جماليتها الخاصة بها- فإنها في الحقيقة ترسم حقبة مهمة من تاريخ الحياة الاجتماعية والأدبية الأنكليزية خاصة والأوروبية عامة، وقد يبدو المشهد الكلي للمسرح الأنكليزي ناقصا من دونها».
أعمال بوند تحتوي على أصوات تلك القنابل ورائحة الملاجئ وملامح التراجيديا المرافقة للحروب


هموم الثقافة


عن محتوى أعمال بوند، تقول يازجي: «تحدّثت أعمال بوند بالإضافة إلى الحرب، بهزلها وجدّها، عمّا تلاها من تحوّلات المجتمع البريطاني وهموم الثقافة واقتراب المسرح من تيارات التربية ورفع الوعي لدى الشباب.وبوند لم يكن مجرّد كاتب مسرحي، وإنما كان منظّرا مهمّا له جذوره الضاربة في السياسة والاجتماع، وفكرة أن بوند غير مترجم للغة العربية وبالتالي هو غير معروف للقارئ العربي، هي السبب الرئيسي لرغبتي في ترجمته».

وتضيف قولها: «أعتقد أن مشاريع الترجمة ظلمت المسرح الأنكليزي المعاصر فيما بعد الحربين، إذ فجأة وجدنا أنفسنا نتعرف على “سارة كين” و”مارك رافينهيل” و”ديفيد هير”، دون التوقف الحقيقي عند كتّاب المراحل اللاحقة كإدوارد بوند، والذي قد تكون موضوعاته وجرأته قد حالت دون التفكير في ترجمته لفترات طويلة، طبعا كل ما سبق شكل صعوبة للدار، وفي الحقيقة هو مشروع قد يكون غير مجد تجاريا كما المسرح عامة سواء كان تأليفا أو ترجمة، لذلك سعيت إلى البحث عن شريك يتحمّل أعباء تحصيل الحقوق المكلفة وحملها عن الدار وبالتالي تشجيعها على النشر، وتشجيعنا على الترجمة؛ هذا الشريك كان المجلس البريطاني».

وبوند، الذي تعرض لقصف الحرب العالمية الثانية وهو في الخامسة من عمره، لا بدّ أن تحتوي أعماله على أصوات تلك القنابل ورائحة الملاجئ وملامح التراجيديا المرافقة للحروب، وفي ذلك يقول: «بسبب الغارات كانوا يبعثون بنا إلى المنزل في بليتز، فكنت أتعرض للقصف ليلة إثر ليلة».

المسرية تصنف من بين أكثر الأعمال المسرحية المؤثرة والمثيرة للجدل

ومن هنا يمكننا القول: ما أشبه ما تعرض له بوند منذ عشرات السنين بما يتعرض له الإنسان العربي حاليا! وفي ما إذا كان هذا التشابه وربما التطابق في الحالتين هو ما دفع يازجي لاختيار نص “أُنقذ” بالذات للترجمة، والذي يتحدث عن العنف، تجيب: «في الحقيقة، إن معظم مسرحيات بوند -إن لم يكن جميعها- تناولت موضوع العنف، وقد تناوله في كل عمل من زاوية معينة، ولكن هناك ولع بالنص في حدّ ذاته وشعور بأهميته، وليس فقط بإسقاطاته على زمننا الراهن على أهميته، بل لأنني أظن أن النص هو بداية جيدة للتعريف بإدوارد بوند بعيدا عن مسرحيات الحرب، والنصوص اللاحقة أو حتى مسرحياته “الاشتراكية” -إن أمكن تسميتها هكذا- إضافة إلى أن هذه المسرحية بشكل خاص تساعد على تقديم نظرية بوند عن العنف، التي هي جزء أساسي من مشروع نقله إلى اللغة العربية في هذا الوقت بالذات، ويمكن اعتبارها بداية قوية وجيّدة يمكن التواصل معها لإدراك ما نعيشه، وما سنعيشه لاحقا، وفي مجال آخر تعتبر مسرحية “أُنقذ” تحفة فنية يُحتفى بها بسبب دورها في الصراع لإلغاء قانون الرقابة، وقد ألغي تماما عام 1968».


العقبات والتابوهات


عن دافع المترجمة ودار النشر لوضع هذا النص بين يدي القارئ العربي، هل هو حثّ لشعوب المنطقة على استخلاص العبر من تجارب شعوب أخرى مرّت بحالات العنف المرير واجتازت تبعاته بهدف الوصول إلى مجتمعات آمنة؟ تجيب يازجي: «اخترت البدء بهذا النص لأن له علاقة برغبتي في تقديم شيء يمكن أن نتواصل معه ضمن سياق ما يحدث حاليا، حتى نفكر في القادم من الأيام بعيون بوند وحكمته، وهو الذي شغل حياته بالتفكير في آليات وأسباب العنف، ونص “أُنقذ” يجب أن يكون متاحا باللغة العربية سواء استخلصنا منه العبر والمغازي أو لم نستخلص».

وتتابع: «أنا أعتقد أن الإنسان لا يتعلم من العنف السابق للأسف، وكل منا ينظر إلى تجربته على أنها فريدة من نوعها ولم تتكرر في التاريخ، وعليه فقد يتساءل البعض إذن لماذا نتعب ونكتب ونترجم؟ وأقول مجرد التعرف على كيف؟ متى؟ وماذا حدث؟ هو هدف كاف.

ويمكننا الاستطراد لنقول إن ترجمة نصوص المسرح المعاصر أضحت أقرب إلى أن تكون حالة ترجمة لا تدخل فيها المعرفة باللغة فحسب، وإنما كذلك بالثقافة والحالة المجتمعية للنص المكتوب والتعرف على الكاتب وكتاباته، وكذلك تحليل النص المترجم، مما يسمح لنا بتسميتها بشكل أدق: دراماتورجيا ترجمة النص. وهذا بحث طويل يتأرجح بين التعامل مع العقبات والتابوهات في كافة المستويات، بالأمانة الحرفية والقدرات المعرفية الجديدة التي يفتحها التحليل».

14