"لوبي" أميركي مجاني تهمشه الدبلوماسية التونسية

مراقبون: تونس أساءت استثمار الإعجاب الغربي بتجربتها الديمقراطية الناشئة خاصة مع الولايات المتحدة، التي أعلنت في وقت سابق تقليص مساعداتها لتونس إلى الحد الأدنى
الأحد 2019/09/15
تونس بحاجة إلى مراجعة أدائها الدبلوماسي

لم تحقق الدبلوماسية التونسية أي اختراق أو نتائج تذكر في الاستثمار في التجربة الديمقراطية التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والتي يشيد بها المجتمع الدولي، وكان بإماكانها تحقيق أفضل نتائج خاصة في ما يخص استرجاع أموالها المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج. ويعزو الخبراء ذلك إلى افتقادها مفاوضين جيّدين وضعف أدائها الدبلوماسي.

يهدف أي تغيير على رأس البعثات الدبلوماسية في كل دول العالم إلى حلحلة مشكل أو تحسين أداء، إلا أن التعيينات على رأس البعثات الدبلوماسية في تونس قد تكون أحيانا تعميقا لأزمة.

ففي وقت تتسابق فيه الدول لتكوين “لوبيات ضغط” لدى أهم مراكز صنع القرار العالمي للدفاع عن مصالحها، لا تزال مهام البعثات الدبلوماسية لتونس منحصرة في إدارة شؤون الجالية، ومنصب السفير أو منصب رئيس البعثة الدبلوماسية لم يغادر بعد منطق التشريف إلى عقيدة التكليف.

براتب مجز بالعملة الصعبة وإقامة فاخرة، يقضي السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية أوقات ممتعة حتى نهاية فترة التعيين دون أن يجلبوا للبلاد أي استثمار أو اختراق في قضية ما.

ونددت نقابة السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية التونسية منذ حوالي أسبوعين بالحركة الدبلوماسية لسنة 2019، قائلة إنها قامت على الولاءات والمحسوبية، مشيرة إلى أن الأيديولوجيا السياسية حاضرة بقوة في ذلك.

وأعربت النقابة عن استيائها من تواصل سياسات الإلغاء الممنهج للعديد من الخطط الدبلوماسية، والذي بلغ هذه السنة عدم تعويض 25 بالمئة من مجموع الخطط الشاغرة بالبعثات الدبلوماسية والقنصلية.

ونبّهت إلى أن هذه “التوجّهات الخاطئة والقرارات الاعتباطية”، التي لا تتماشى مع حجم الرهانات التي تواجهها البلاد على الصعيد الدولي، من شأنها أن تحُول دون حُسن سير المرفق الدبلوماسي، وتؤثر سلبا على أداء المراكز الدبلوماسية وعلى نوعية الخدمات التي تقدمها للجالية، خاصة وأن التمثيل الدبلوماسي التونسي يعدّ الأقل مقارنة ببقية الدول.

وحمّلت الهياكل المعنية بوزارة الشؤون الخارجية والسلطات المختصة، مسؤولية تدهور المرفق الدبلوماسي وتردّي ظروف العمل، نتيجة التقصير في التخطيط والاستشراف وسوء التسيير، وعدم الدراية الكافية بمتطلبات الدبلوماسية، في ظل تراجع ميزانية وزارة الشؤون الخارجية إلى حدود 6 بالمئة من الميزانية العامة للدولة.

ورغم أن مثل هذا التنديد ليس بجديد منذ ثورة يناير 2011، إلا أن اقتراح اسم سفير متقاعد لا يتقن الإنكليزية لمنصب سفير تونس لدى الأمم المتحدة، في وقت تستعد فيه البلاد لعضوية مجلس الأمن الدولي، يفسر إلى حدّ ما أسباب الفشل الدبلوماسي الذريع.

وكشف النائب عبداللطيف المكي أنه تّم اقتراح اسم سفير متقاعد سابق لمنصب سفير تونس لدى الأمم المتحدة لا يتقن حتى اللغة الإنكليزية. ودعا المكّي الرئيس التونسي محمد الناصر إلى فتح تحقيق في الغرض واستقصاء الأمر، رغم أن وزير الخارجية خميس الجهيناوي قد كلّف بدوره لجنة للتدقيق واستجلاء الأمر.

وانتخبت تونس كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي بدءا من سنة 2020 ولمدة سنتين حيث تحصلت على 191 صوتا في انتخابات الجمعية العامة للأمم المتحدة. واحتلت مقعد عضو غير دائم بمجلس الأمن ثلاث مرات في تاريخها في الفترات 1959-1960 و1980-1981 و2000-2001.

ويأخذ مجلس الأمن زمام المبادرة في تحديد وجود تهديد للسلام أو عمل عدواني. ويدعو أطراف النزاع إلى تسوية النزاع بالوسائل السلمية ويوصي بطرق التكيّف أو شروط التسوية. وفي بعض الحالات، يمكن لمجلس الأمن أن يلجأ إلى فرض جزاءات أو حتى السماح باستخدام القوة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو استعادتهما.

وبعيدا عن بيانات الصداقة وتبادل التهاني بالأعياد الوطنية وشعارات الأخوة والتكاتف بين الدول، لا يمكن لأي دولة حماية مصالحها دون أن يكون لها “لوبي” يدعم مصالحها وعلاقاتها الاستراتيجية.

ومنذ يناير 2011، أساءت تونس استثمار الإعجاب الغربي بتجربتها الديمقراطية الناشئة خاصة مع الولايات المتحدة، التي أعلنت في وقت سابق تقليص مساعداتها لتونس إلى الحد الأدنى. لكن في المقابل استطاعت مصر استرجاع المساعدات الأميركية المجمدة بأكملها، وهي تطمح إلى المزيد في ظل دبلوماسية نشطة في ليبيا ولوبي دعم قوي في واشنطن.

سفارة تونس بواشنطن

 لا يمكن لأي دولة حماية مصالحها دون أن يكون لها “لوبي” يدعم مصالحها وعلاقاتها الاستراتيجية
 لا يمكن لأي دولة حماية مصالحها دون أن يكون لها “لوبي” يدعم مصالحها وعلاقاتها الاستراتيجية

كتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان مقالة بصحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان “مزيد من المدارس، قليل من الدبابات للشرق الأوسط”، عقد فيها مقارنة بين الدول العربية التي لم تتدخل فيها أميركا سياسيا أو عسكريا، وبين تلك التي استخدمت فيها جيوشها وقواتها لفرض التغيير.

يقول فريدمان “لماذا تعد الدولة الوحيدة من دول الربيع العربي التي تمكنت من الانتقال بشكل سلميّ نسبياً من الدكتاتورية إلى الديمقراطية الدستورية، مع التمكين الكامل للمرأة، هي الدولة التي تشهد أقل قدر من التدخل من جانبنا، والتي لم نرسل إليها أبدا جندا للقتال والموت؟ هل تعرفون الدولة التي أتحدث عنها؟ أجل إنّها تونس”.

ويتابع الصحافي وأحد قادة الرأي العام في واشنطن “تونس، الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي حققت ما تحرّقنا شوقا لإنجازه في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وأفغانستان؛ وفعلت ذلك بعد أن استضافت على مدار الخمسين عاما الماضية عمّال حفظ سلام أميركيين بقدر أكبر مما استضافت به مستشارين عسكريين أميركيين، ولم تتلق منذ ثورة 2010-2011 لتحقيق الديمقراطية مساعدات أميركية سوى بمقدار مليار دولار أميركي (وثلاث ضمانات بقروض)”.

ويستدرك “وبالمقارنة، تُنفق الولايات المتحدة حوالي 45 مليار دولار سنويا في أفغانستان؛ بعد 17 عاما من محاولة تحويلها إلى دولة ديمقراطية تعددية. يا لها من مفارقة مجنونة؛ لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار أن ديمقراطية تونس المدفوعة بالجهود الذاتية تعد نموذجا له ما له من الأهمية للمنطقة، وإن كان نموذجا متزايد الهشاشة”.

وتنفق الدول العربية وحتى الآسيوية والأوروبية أموالا طائلة في استمالة السياسيين والمثقفين المؤثّرين في السياسة الخارجية الأميركية للدفاع عن مصالحها حول العالم، فهذه السياسة باختصار وهذا بالأحرى دور السفير ورؤساء البعثات الدبلوماسية لكل الدول.

قد تعيق الموارد المالية الشحيحة المخصصة للسفارات التونسية حول العالم الذهاب في هذا الطريق الذي يسلكه الآخرون، ولكن عندما تأتي خدمة مجانية ويتم تجاهلها، عن قصد أو غير قصد، تلك هي الطامة الكبرى.

وبعيدا عن التجنّي والتحامل، لم تحقق الدبلوماسية التونسية أي اختراق أو نتائج تذكر في الاستثمار في التجربة الديمقراطية. لقد كان بالإمكان أفضل مما كان.

ففي يونيو 2019، كشف تقرير نشره “مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط” (منظّمة أميركية غير حكومية مقرها واشنطن) استنادا إلى وثائق أصدرها الكونغرس الأميركي، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب اقترحت تخفيض المساعدات الأميركية المخصصة لتونس بعنوان السنة المالية القادمة (2020) إلى 86.4 مليون دولار، (مقابل 94.5 مليون دولار سنة 2019)، في حين طلبت تونس “بشكل صريح” الحصول خلال سنة 2020، على قرض أميركي بقيمة 500 مليون دولار “لشراء طائرات هجومية أميركية الصنع”.

ولاحظت المنظّمة في هذا التقرير أن أغلب المساعدات الأميركية المقترح تخصيصها لتونس بعنوان سنة 2020، عسكريا وأمنيّا، الهدف منها “القضاء” على المنظمات الإرهابية “المحلية” و”دعم أمن الحدود ودعم المهام الإقليمية” بما في ذلك مهام حلف شمال الأطلسي.

وأوضحت أن 60 بالمئة من إجمالي هذه المساعدات عسكرية وأمنية (51.8 مليون دولار)، و21 بالمئة (18.1 مليون دولار) موجّهة لبرامج “الحكم العادل والديمقراطي”، و19 بالمئة (16.5 مليون دولار) مخصصة لبرامج “التنافس السياسي وبناء التوافق”.

ولفتت إلى أن إدارة ترامب قرّرت التخفيض في المساعدات الأميركية الموجهة إلى تونس “للعام الثالث على التوالي” منذ سنة 2017. وذكّرت بأن تونس حصلت على مساعدات أميركية بقيمة 94.5 مليون دولار سنة 2019، 165.3 مليون دولار سنة 2018 و205.2 ملايين دولار سنة 2017.

وقالت المنظّمة إن ممثلي منظمات أميركية داعمة للترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط، عبروا عن “قلقهم البالغ” إزاء اعتزام الإدارة الأميركية خفض المساعدات المخصصة لبرامج الديمقراطية والحوْكمة في تونس، واعتبروا ذلك “مؤشرا إضافيا على أن الولايات المتحدة أصبحت أقل تركيزا على الانتقال الديمقراطي في تونس”.

كما نشر موقع صحيفة “ذو هيل”، التي يموّلها الكونغرس الأميركي، مقالا للدكتور صفوان المصري، مدير مركز كولومبيا للبحوث والمحاضر في جامعة كولومبيا بتاريخ 2 يونيو 2018، حثّ من خلاله صنّاع القرار الأميركي الخارجي على السعي إلی دعم التجربة التونسية التي حققت مكاسب هامة بإنجاح أكثر من استحقاق انتخابي وصياغة دستور. وقال إن “علی صناع القرار في البيت الأبيض دعم هذا النموذج لمجتمع ديمقراطي مسالم في منطقة ساخنة وأي تخفيض في المساعدات ستكون له نتائج كارثية ومكلفة”.

تكوين مفاوضين

منظمات:  واشنطن أصبحت أقل تركيزا على الانتقال الديمقراطي في تونس
منظمات:  واشنطن أصبحت أقل تركيزا على الانتقال الديمقراطي في تونس

تعتبر إدارة المفاوضات مع الدول في الملفات العالقة من أقوى النقاط التي ترتكز عليها الدبلوماسية، فالمفاوض الجيد هو المفاوض الذي يغلق الملف بأدنى درجة ممكنة من التكلفة سواء كانت مالية أو اقتصادية أو حتى سياسية.

وبالنظر إلى المفاوضات التي خاضتها تونس للحصول على قروض أو لإبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول، كثيرا ما ندفع ثمنا باهظا، وهو ما يؤكده جل الخبراء الاقتصاديين في تونس.

وعلى سبيل المثال نجد ارتفاع نسبة الفوائض على القروض. وبما أنه لا يمكن فصل الاقتصادي عن السياسي فإن الدبلوماسية المأزومة كثيرا ما تؤثر على نتائج المفاوضات الاقتصادية في نهاية المطاف.

واقترح وزير الخارجية التونسي الأسبق منجي الحامدي تكوين مدرسة تعنى بتكوين المفاوضين التونسيين، وهو اقتراح مهمّ أهملته السلطات التونسية أيضا.

ويعكس بطء استرجاع الأموال التونسية المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج، فشلا دبلوماسيا يحرم الدولة المنهكة اقتصاديا من موارد مالية ضخمة تقلص عجز الموازنات العامة المتفاقم منذ 2011. ويبلغ حجم الأموال المنهوبة من تونس منذ الاستقلال في 1956 إلى غاية يناير 2011، 39 مليار دولار، من بينها 34 مليار دولار وقع نهبها إبان فترة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وتقول الدولة التونسية إنها ليست مقصّرة في ملف متابعة استرجاع الأموال المنهوبة بل إن التعقيدات القضائية والإجرائية تحول دون ذلك، لكن رئيس الهيئة التونسية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب لديه رأي آخر.

واعتبر الطبيب أن مسألة استرجاع الأصول المالية التونسية التي اكتسبت بغير وجه حق والأموال المجمدة في الخارج، ليست بالأساس ذات طابع قانوني. وأشار الطبيب، في 17 سبتمبر 2018، في افتتاح أشغال الورشة 22 لبرنامج منظمة الإنتربول العالمي لمكافحة الفساد والجريمة المالية واسترداد الأصول، إلى قلة التنسيق مع الدول المعنية لاسترجاع تلك الأموال.

وبيّن أن تونس ارتكبت أخطاء إجرائية وقانونية لاسترجاع تلك الأموال، وذلك أساسا بسبب الغياب الكامل في التنسيق رغم أن دولا عبّرت عن إرادتها في دعم تونس في هذا المجال على غرار سويسرا التي قامت بشكل طوعي بتجميد الأصول المالية المكتسبة بغير وجه حق زمن النظام السابق.

2