لوتشو فونتانا فنان يجرح لوحاته ولا يحرجها

الاثنين 2014/08/25
في خرق فونتانا للوحته المرسومة تركيز قوي ومهارة

باريس- حتى نهاية هذا الشهر، يواصل متحف الفن الحديث بباريس عرض واحد من أهم المعارض الاستعادية التي أقيمت للفنان الإيطالي لوتشو فونتانا (1899 /1968)، وقد شمل أكثر من مئتي عمل فني، بين منحوتات ولوحات وخزفيات، لتقديم فكرة شاملة حول مسيرة فنان تميز بتنوع آثاره وتبدّل أساليبه.

يعتبر لوتشو فونتانا من أهم الفنانين في القرن العشرين على غرار ماتيس ودالي وبيكاسو، ومن أبرز ممثلي الحداثة الأوروبية، وأكثرهم راديكالية، وقد اشتهر في العالم بلوحاته المشروطة (أي المجروحة بسكين أو مبضع).

فما من متحف للفن الحديث في العالم إلاّ وله لوحة من لوحاته، وما من بيت من بيوت الأثرياء الأميركان إلاّ وهو مزدان بإحداها، خصوصا تلك التي كان يعمل فيها مبضعه.

وهو ما عبّر عنه فابريس هرغوت، مدير المتحف، بقوله: “عندما يذكر لوتشو فونتانا، تتبادر إلى الأذهان صورة شخص يحدث خروقا في اللوحات”.

ولكن ذلك الأسلوب الفني الذي توخاه ليس وحده ما ميز مسيرة هذا الفنان العصيّ عن التصنيف. وقد حرص المنظمون على إبراز تنوع أساليبه، وترددها بين التجريدية والتصويرية، البحث الميتافيزيقي والتناسخ، الطوباوية والكيتش، الانبهار التكنولوجي والمواد غير المستوية.

فإلى جانب لوحاته المخروقة، التي صارت من أيقونات الفن الحديث في العالم، عرضت له أعمال أخرى أقل شهرة، خصوصا منحوتاته الأولى وإبداعاته الخزفية، وكلها تبرز ولعه بالمواد والألوان.

ولد لوتشو فونتانا بمدينة روزاريو الأرجنتينية من أب إيطالي كان يمارس النحت، ثم انتقل إلى ميلانو حيث التحق بمشغل النحات أدولفو فيلت بأكاديمية بريرا. ومنذ 1930 انضمّ إلى غاليري ميليوني التي سوف تصبح نقطة العبور بين المستقبلية والتجريدية.

عام 1935 انضمّ في باريس إلى مجموعة “تجريد/إبداع” التي أسسها أوغست هربان وجان هيليون، وكان من أعضائها آرب وكادينسكي ومانييلي وموندريان.. في السنة نفسها بدأ الاشتغال على الخزف في مدينة سيفر.

عند اندلاع الحرب العالمية الثانية، عاد إلى مسقط رأسه للتدريس. هناك بسط نظريته “الفضائية” في شكل مانيفستو . ثم عاد عام 1949 إلى ميلانو وبدأ يجرب ثقب القماشة قبل أن يجعل من “تعنيف” المساحة فعلا قارا.

حاول منذ بداية مسيرته أن يختط له سبيلا غير مألوف، وكان خلال ثلاثينات القرن الماضي من أوائل الفنانين الذين جربوا الفن التجريدي في إيطاليا. استغل في تلك الفترة كل إمكانات النحت متعدد الكروم (الطين المحمّى، الخزف، الفسيفساء)، وقاد في ميلانو حركة عرفت بالفضائية، تنطلق من الفضاء والضوء لوضع تصور لأعمال فنية ذات علاقة بالمحيط وارتياد الفضاء.

وانتهى إلى إنجاز ما سماه “تصورات فضائية”، وهي عبارة عن لوحات مثقوبة يدخل عليها مواد مختلفة ويصبغها بألوان زاهية أو فاقعة. و”الفضائية” عبارة تنطبق تقريبا على سائر أعمال فونتانا منذ 1948/ 1949، فقد طور نظريته “الفضائية”، وركز على الفن والزمن والفضاء، وتاق إلى المستقبلية لتجاوز الأنماط التقليدية كالرسم والنحت، فالمهم بالنسبة إليه لم يكن المادة بل الفكرة والحركة والإيماءة.

تنوعت أساليبه وترددت بين التجريدية والتصويرية، البحث الميتافيزيقي والتناسخ، الطوباوية والكيتش

لذلك كانت منجزاته مثل “مناخات فضائية” و”خزفيات فضائية” تقع تحت عنوان “مفهوم فضائي”. وقد استهل تلك السلسلة برسوم وخطوط ودوائر وأبخرة، قبل أن ينتقل إلى لوحات يعمل على ثقبها ثقوبا صغيرة، أشبه بالنجوم.

والحق أنه استمد ذلك المفهوم من جدل الحلقات المستقبلية في بداية القرن الماضي، فعمل على تطويره، بإحداث ثقوب وقصاصات وتشطيبات وحزوز، قبل أن يحولها بداية من 1958 إلى خروق، وأطلق على لوحاته وقتئذ “استباقيات”، موضحا أن خرق لوحة مرسومة يستدعي تركيزا قويا ومهارة.

في هذه العلاقة بالفراغ، نسبت إليه نوايا ميتافيزيقية ودينية، ولكنه كان يكره الحديث عن منطلقاته في عمله، والأصحّ أنه كان خاضعا في جانب كبير منه لحدس الفنان وحساسيته.

في الوقت نفسه، كان يراوح بين التجريد والتصوير، حيث أنجز منحوتات دقيقة باستعمال أسلاك الحديد وألواح الإسمنت، إلى جانب منحوتات باروكية باستعمال خزف متعدد الكروم، تعلوه صور بشر أو حيوانات أو موتيفات بحرية. تتميز أعماله بتعدد أشكالها وخصوصيتها المطلقة، فهي تعبير عن صراع بين قوى أصيلة متجددة وصيرورة التاريخ.

والترتيب الزمني الذي خضع له المعرض يغطي مجمل إنتاج فونتانا، من نهاية العشرينات إلى وفاته عام 1968، من خلال كل مراحله الكبرى: منحوتات بدائية وتجريدية، رسوم، خزفيات متعددة الكروم، أعمال فضائية، لوحات مثقوبة، أعمال غير رسمية، أعمال بيئية، خروق، طبيعة، معادن.

في مراوحة بين حركة الخلق الصافي وحشد المواد والألوان، مع التركيز على الناحية الزخرفية. ولا تعكس تلك أعمال تطورا خطيا نحو صفاء مفهومي، فما يتبدّى منها قلق وتردّد بين التصوير والتجريد، ومراوحة بين الرسم والنحت، لم يتخل عنهما طوال حياته.

والثابت الوحيد هو ثيماته وتطويعه للمادة، فقد كان يعجن الطين، يطلي اللوحة الخام بطلاء البناء، يلصق الرمل أو الزجاج الملون، و”يعنّف” القماش والخشب والصفيح على حدّ سواء.

16