لوحات تسائل الهوية الجماعية للبنان المعاصر

"رؤى الحاضر ".. معرض جماعي يؤنسن انفجار مرفأ بيروت.
السبت 2021/07/24
انهيار مزدوج للعملة والدولة (عمل تجهيزي للفنان أحمد غدار)

“رؤى الحاضر” معرض جماعي بارز أعدّته ونفّذته صالة “جانين ربيز” الفنية في بيروت. معرض ضمّ عددا كبيرا من الأعمال الفنية التي جعلت الجمهور يتساءل: كيف يُمكن للأعمال الفنية على اختلاف أساليبها وتقنياتها أن تكون منتمية للذاكرة الجماعية؟ وكيف لها أن تُعمّق من قيمتها وفرادتها الفنية لأمة متصلة اتصالا مباشرا مع البيئة التي انبعثت منها؟

بيروت – معرض “رؤى الحاضر” الذي تقدّمه صالة “جانين ربيز” البيروتية لصاحبتها نادين ربيز، هو واحد من عدة معارض انطلقت الصالة في تقديمها في عزّ الثورة اللبنانية التي اندلعت في 17 أكتوبر 2019. ثورة لا تزال متوقّدة تحت رماد الفساد الرسمي تنتظر مع ثوّارها وأعدائها على السواء الفرصة لتبنّيها.

والعنوان في حدّ ذاته يشير إلى ماهية المعرض، حيث ليست “الرؤى” الفنية التي تحتضنها الصالة تتطلّع إلى المستقبل، بل إلى الحاضر بما يحمله من خاصية مستقبلية/ آتية لا محالة، وهي مصدر لتحوّلات وطنية مُحتملة.

كما تكمن خصوصية هذا المعرض في أنه جاء بعد مرور ما يقارب العام على انفجار مرفأ بيروت الذي حرّك المواجع القديمة والمستمرة في نفوس الفنانين المُخضرمين خاصة، لاسيما أن الأمور لم تتطوّر قانونيا في شأن الكشف عن مُلابسات الانفجار وهوية مرتكبيه.

مساءلة نرجسية

ألعاب نارية مدمّرة (لوحة ساخرة للفنان سليم معوّض)
ألعاب نارية مدمّرة (لوحة ساخرة للفنان سليم معوّض)

الانفجار أيقظ من السبات نفوس فئة من الفنانين الشباب اللبنانيين وأحدثها في فئة أخرى منهم. وليس المقصود بالسبات، إلاّ أن معظمه هو استراحة واستسلام على سرير السرد الفني التابع لمزاج وتوجهات غربية.

“الهوية الجماعية”، هذا التعبير العام واللبناني بشكل خاص، شكّل مناكفات عديدة خرجت في أحيان كثيرة عن معايير النقد الأخلاقية، حيث تزامنت مع ازدياد عدد عرابي الفن المعاصر الذين يخوضون غمار التسويق للفنانين الشرق الأوسطيين تحت شعار أن الفن هو هوية الفنان ولا حالة بمُسمى “الهوية الجماعية” المُعاصرة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه النظرية متغلغلة في رحاب العديد من صالات العرض الفنية المعاصرة في بيروت لا داعي لذكر أسمائها هنا.

جاء هذا المعرض الذي قدّمته الصالة البيروتية ليضرب عرض الحائط مزاعم هؤلاء من خلال فنانين يختلفون في التعبير الفني إن من حيث الشكل أو المضمون (لوحات، رسوم، منحوتات، صور فوتوغرافية وأعمال تجهيزية) ويتّحدون في مُساءلة “أناهم” النرجسية، ويسقطون بنيان انفصام أعمالهم عن مجتمعهم اللبناني المعاصر.

وفي غياب كتاب يؤرّخ للبنان المُعاصر، وذلك لاختلاف السياسيين في ما بينهم، لاسيما أنهم من سادة الحرب اللبنانية الذين تعاقبوا على البلاد لمدة تفوق 30 سنة بعد انتهائها، على الأقل رسميا في لبنان، يجيء هذا المعرض كواحد من المعارض اللافتة التي “تكتب” فصلا من فصول سيرة لبنان المعاصر، حيث كل الأطراف المتنازعة سابقا والمتواطئة لاحقا تحت قناع عدائهم لبعضهم بعضا، هو أمر مكشوف ومُدان إلى أبعد حد.

وقدّم القيّمون على الصالة المعرض بهذه الكلمات “دعوة قدّمت للفنانين لمشاركة رؤيتهم حول كيفية المضي قدما في لبنان، مطالبين إيّاهم بالتعبير عن كيف يرون تطوّر أعمالهم الخاصة حاليا، وكيف يستجيبون للحقائق المشتركة التي تواجه تحديات متزايدة، وكيف يعكسون أو يتخطّون أو يواجهون أو يهربون من الظروف التي نرزح تحتها راهنا”.

وحصيلة هذه الدعوة كانت اختيار فنانين منهم المُخضرمون ومنهم شباب تبنّت الصالة العرض لهم سابقا ومنهم من يعرض للمرة الأولى، وهم: منار علي حسان غلفاني، آرا آزاد، راشد بحصلي، كارول شاكر، بترام شلش، تييري شهاب، كرمى دبغي، أحمد غدار، جوزيف حرب، علاء عيتاني، ليلى جبر جريديني، سامي الكور، ميرنا معلوف، ندى متى، سليم معوّض، تانيا نصر وغسان عويس.

وعلى الرغم من صغر حجم الصالة نسبيا مُقارنة مع صالات عرض فنية أخرى لم يحدث أي جوّ من الاكتظاظ سمح بقيامة فوضى بصرية مؤذية في حق الأعمال.

سخرية موجعة

الحاضر المهزوم (لوحة للفنانة منار علي حسان غلفاني)
الحاضر المهزوم (لوحة للفنانة منار علي حسان غلفاني)

ساهمت صالة “جانين ربيز” العريقة التي واكبت وقدّمت الكثير من المعارض منذ فترة العصر الذهبي الذي انطلق في منتصف الخمسينات من القرن الفائت، من خلال معرضها هذا، أولا بلمّ شمل اللبنانيين، وثانيا في ترسيخ أهمية معنى الذاكرة الجماعية بعيدا عن الذوبان في الفردية، لاسيما في بلد مثل لبنان تتنازعه التناقضات وتواظب فيه أفاعي الماضي بثّ سمومها كي لا تكون قيامة حقيقية للبنان على أسس المواطنة الصحيحة والصحية.

لم تطرح الأعمال الفنية المعروضة فقط أسئلة على زائر المعرض وعلى الفنان الذي أنجزها، بل إن العديد منها عكس إحساس الفنانين المُتناقض ببيروت كمدينة محبوبة/ مكروهة. والمؤثر في الأمر أن جيل الحرب من اللبنانيين ومن الجمهور على السواء عثر في تلك الأعمال على هذه الغربة التي لطالما سكنت نفوسهم وهم في قلب بلدهم لبنان، وهم لم يزالون في بداية حياتهم.

فهؤلاء كالجيل الحالي لا يريدون المغادرة ولا يستطيعون البقاء في البلد أو هم يريدون المغادرة، ولكن لا يستطيعون ذلك.

الأعمال الفنية المقدمة في معرض "رؤى الحاضر" عكست إحساس الفنانين المُتناقض ببيروت كمدينة محبوبة/ مكروهة

وفي هذا السياق قال أحد زوار المعرض بعد تأمله للأعمال “أحيانا أفكّر بأن ثمة الكثير ممّا نتشارك به مع الفلسطينيين. فهم شعب مسلوبة أراضيهم، ونحن شعب مسلوبة حقوقنا المدنية من سلطات متعاقبة لا تحفظ حقوقنا لا داخليا ولا خارجيا ولا تريد رعاية مصالحنا، بل مصالح أفرادها الشخصية على حسابنا”.

ومن الأعمال البارزة في المعرض يحضر العمل الساخر الذي أطلق عليه الفنان سليم معوّض عنوان “ألعاب نارية” في إحالة مزدوجة إلى المواد المتفجرة التي خُزّنت في المرفأ وإلى الانفجارات التي تحدث من وقت إلى آخر في أماكن مشبوهة ويصار إلى ربطها بانفجار الألعاب النارية، في حين ما من لبناني لا يعرف أنها ليست كذلك.

ونذكر أيضا عملا للفنانة منار علي حسان غلفاني الذي لعبت فيه على ثيمة الوقت في تركيبة تضع الحاضر المهزوم في خلفية العمل، وأمامه شبه شفافية الورق الذي يستخدم في تصاميم المشاريع الهندسية للإشارة إلى الزجاج الذي سيصار إلى وضعه عند تحقيق المبنى. تركيبة ديناميكية أطلقت عليها الفنانة “سوف نقوم من جديد”.

معظم فناني المعرض قدّموا أكثر من لوحتين في حدث فني واحد للبنان واحد يطرح سؤالا مدوّيا: متى يجيء خلاصي الحقيقي غير الزائف؟

بيروت التي كانت (لوحة للفنانة تييري شهاب)
بيروت التي كانت (لوحة للفنانة تييري شهاب)

 

15