لوحات تسرد الجمال الإنساني الكامن في كردستان

تشكيليون كرد يلوّنون فضاءات السليمانية طاردين عنها حزنها.
السبت 2021/09/18
رؤى جمالية طافحة بالمعاني والإيحاءات

أن يلتقي تشكيليون كرد في مدينة السليمانية العراقية ليدوّنوا بألوانهم لوحة مهمة من التجريب، لوحة حافلة بالحصاد الوفير، فذاك يُضفي دون شك على الحضور حضورا، وعلى التجريب تجريبا، وعلى التفرّد تفرّدا. وهو ما تجلّى بوضوح ضمن فعالية سيمبوزيوم السليمانية الثالث الذي شارك فيه ثمانية عشر فنانا وفنانة من كرد سوريا والعراق.

إذا كان متحف الأمن الأحمر الوطني في مدينة السليمانية العراقية، والذي يديره الفنان التشكيلي آكو غريب، المكان الشاهد على عصر التعذيب بكل الوسائل التي يمكن للعقل أن يتصوّرها، والتي لا يمكن أن يتصوّرها، ولزمن ما زالت رائحته تقتل الروح، بات اليوم مكانا حاضنا لستة وثلاثين عملا فنيا هي نتاج فعالية سيمبوزيوم السليمانية الثالث الذي شارك فيه ثمانية عشر فنانا وفنانة من كرد سوريا والعراق، فهذا يعدّ بحق حدثا استثنائيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

رسائل جماليةفنانون كرد قدموا من دول اللجوء والاغتراب القسري، من ألمانيا والدنمارك والسويد وبلجيكا ومن الداخل السوري ومن داخل كردستان العراق ليعزفوا معا سيمفونية اللون والحب، ويشكّلوا معا مجموعة مثقلة بالحماس لإحياء الجمال الكامن في الإنسان وفي كردستان، لتخفيف الوجع عنه ورسم ملامحه بالشكل الذي يسمح لهم بإطلاقه كمعالم لمفهوم جديد ينشده الإنسان أينما كان.الجميع كان يهفو لتفتيت الحزن بعد إدراك مقدرته الهائلة لمرافقة الكردي أينما حلّ بترحاله واغترابه، فالغلبة هنا له والأمر ظاهر في مجمل المنجز الذي تم والذي قدّم.

المشاركون في سيمبوزيوم السليمانية سعوا لتفتيت الحزن الكامن في المكان عبر سيمفونية ألوان مشعة

أقول، إذا كان متحف الأمن الأحمر الوطني هو المكان الذي فيه سيقول الفنانون المشاركون كلمتهم، فهذا وحده كاف لإبراز أهمية الرسائل الكثيرة التي أطلقها هؤلاء الفنانين، وهم يستعدّون لرسم فضاءات السليمانية بألوان “حفت رنك” (7 ألوان) ذات الاسم للجهة التي قامت بتنظيم هذه الفعالية التي امتدت في حيّز كل ما فيه يشكّل رفض المستحيلات وما تحمله من قناعات لا تكفّ عن الحضور في زمن ما قد نعيش بعضه إلى الآن.

أن تلتقي الأجنحة في جسد يمضي عميقا في المكان وبخيارات كثيرة هو سعي جميل للتحليق بتشكيلة واسعة من التجارب والخبرات التي لا تكفّ عن التشبّث بمنظومة قيم معرفية جمالية مولعة بالزمان والمكان، بقدر تشبّثها بكافة السبل الباحثة عن اللامألوف، فالفن بوصفه تردّدات جمالية للطيّب القائم في الأشياء متشظيا في الروح وكأنها مغازلات تحطّم القبح الكامن فيه، مهما كان محكما بثقله سيتكلّم بلغة تنبثق منها مجمل الحركات القادرة على إغراء متلقيها بكل مسكها مهما كان التناقض متناغما فيها.

أن يلتقي تشكيليون كرد سوريون وكرد عراقيون في مدينة السليمانية عاصمة الجمال والفن والثقافة في كردستان، لإقامة حلقات اتصال بين تجارب لكل منها وضعها الخاص في حضرة مآزقها، لكل منها بوصلتها في السير نحو الاستكشافات في حالة يقودها الفنان حينا، وتقوده هذه الحالة حينا آخر حتى يُعيدا معا تلك التصوّرات التي تنتقل بعملياتها من رؤيا إلى رؤية أو العكس، لا كمعالجة أولية لأفكار قد تستغرق في الفضاءات بتجسيد حسي وحدسي، بل كبحث أولي نحو تفجير الطاقة الإيحائية للون على سطوح تساهم بدورها في إثارة تفاصيلها إن كان من خلال تبني رؤية خاصة أو من خلال تفعيل التغيير في السبل التي سيتوجب بالضرورة السير فيها نحو ترسيخ في بنيتها وما يحيط بها من مظاهر حياتية، لإقامة جسور بين الرؤى المختلفة ولتجاوز التأثيرات التي قد تمزّق بين الداخل والداخل، وبين الداخل والخارج، فيمكن للإشارات والرموز حينها أن ترسل بين طياتها الكثير من التفسيرات التي لا نهاية لها.

لوحات مشرقة

عزف جماعي على سيمفونية اللون والحب
عزف جماعي على سيمفونية اللون والحب

إن الرغبة في طرح أسئلة وإجابات تمتدّ بجذورها في البنية العميقة للثقافة الكردية، لا كمآزق محتملة لخطاب حزين وكل انكساراته توحي بالجدل الذي يكون على أشدّه في العلاقات التي تفرض اشتباكاتها في كشف الحال، والبحث عن مجرى مُغاير تمثل لحظة الاندساس بين الأنساق الكامنة في قيم تمضي في الظلام، لا كمآزق بل كشروع في إنجاز ما لا يتيه في حضرة التحوّلات الكثيرة، كشروع في الافتتاح على دروب يسعى كل مبدع لارتيادها.

شغف بالمكان والإنسان يستحيل لوحات مبهرة

حقا عاش المشاركون أياما لن تنسى، فبين الثالث وحتى العاشر من سبتمبر الجاري، كانت شوارع السليمانية تتزيّن بهم، فجميعهم كانوا زاخرين بالحركة ويتدّفقون كدلالات عذبة وفي حدودها القصوى معبّرين عن هذه التظاهرة الفنية، عن تصوّراتهم الذي سينتظم في رؤى طافحة بالمعاني والإيحاءات، فما نفّذوه سيفضي بهم من جمال إلى جمال، ومن معنى إلى معنى، بل من لحظة ملتقطة إلى لحظة هاربة.

فالجميع يفطن بأن الفضاء الذي يتحرّكون في رحابه لا بد أن يكون هو الآخر مزركشا بهم وشاهدا بأن بعض الجميلين مرّوا من هناك، وهم: محمد أمين عبدو وغفور حسين ومحمود حسو ورحيمو وزهير حسيب وفرهاد خليل وجيهان إبراهيم وحكمت داود وملك مختار وحنيف حمو من كرد سوريا، في حين شارك من كردستان العراق كل من كاروان كابان وستار علي وريبوار سعيد وماهر ستار وجيمن إسماعيل وأودير عصمان وطيب بابان وناز علا.

15