لوحات تشهد على أن لكل عصر ملامحه البطولية

الأعمال الفنية الجديدة للتشكيلي العراقي سيروان باران ليست شاهدة فقط على أن لكل عصر ملامحه البطولية، بل على أن “البطولة” هي أيضا متحوّلة من حيث ما تعني وإلى من تُنسب.
الجمعة 2018/03/30
كلاب معلقة في الفراغ

بيروت – الأعمال المعروضة حاليا في صالة “أجيال” البيروتية للفنان العراقي المقيم في لبنان سيروان باران خاصية استثنائية تتعلق بفيزيائية رؤيتها، فيزيائية بصرية نتجت عن براعة الفنان في التعاطي مع ريشته ومع كتلة الطاقة التي تُحرك عاطفته ومخيلته فمعالم لوحاته، استثنائية أدّت إلى إدخال المُشاهد في عملية استيعاب تدريجي لمكامن العنف في معرضه المعنون بـ”أنياب”.

وربما أول ما يعود إلى ذهن الداخل إلى المعرض اسم الفنان الفرنسي أوجين دولاكروا ومواطنه تيوتور جيريكو، وهما من رواد الفن الرومنطيقي، عندما قدّما أعمالا رائعة ظهرت فيها الخيل لا سيما العربية الأصيلة في شموخها وهي في خضم تصارعها في ضيق إسطبل
لا يليق بها، كما في لوحة أوجين دولاكروا “خيل عربية تتصارع في الإسطبل”، أو في توثبها البهيّ كما في لوحة تيودور  جيريكو التي تحمل عنوان “وثاب الحصان الرمادي”.

لوحتان رائعتان جسّدتا معنى البطولة والعنفوان في كائنات عاشقة للحرية ومُجسّدة لها على السواء، البطولة آنذاك في تلك الفترة من الزمن كانت متلازمة مع قيم عديدة متوافق عليها، منها: الشجاعة والنبل والأمانة والدفاع عن الحق، وإن اختلفت وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة حول من يستحق منهم لقب البطولة.

أما في هذا الزمن الذي نعيش فيه، وفي لوحات سيروان باران، البطولة هي غير تلك المصوّرة في سابق أروع الأعمال التشكيلية، كما ليست مُجسّدة بخيل أصيلة تنتفض لذاتها، بل في مجموعة كلاب استحالت إلى كتل عضلية متمدّدة حينا ومتقلّصة حينا صمّمها الفنان ونفّذها على نبض السرعة التي تحتدم في داخلها لحظة التحامها مع بعضها البعض.

في معظم اللوحات، أخذت العضلات، والجلود، ولا نقول الكلاب، هيئات اللحم السائح وقد شكّله الفنان ببراعة هائلة، برزت منه في بعض اللوحات أنياب تكاد لا تُذكر أمام ألسنة من شراهة خطفت الأفق/ البوصلة من أجواء اللوحات، فباتت مواقع التلاحم غير محدّدة بمكان، بل تشمل كل مساحة يمكن أن يصمد عليها أي كائن حيّ.

ذوبان الأنياب وأحيانا اختفاؤها في معرض يحمل اسمها يأخذ الأعمال إلى أبعد من تصوير لأدوات التهشيم نحو أصول أو “ذهنية” العدوان المتمثلة بتسالخ لا ينتهي، يرمي بالمُشاهد خارج عالم بني آوى نحو إنسانية “مُعدّلة” الملامح.

إنسانية متحوّلة ومُنتجة لمخلوقات “بطلة” يتطلّع إليها الآخرون باحترام ومهابة، مخلوقات لا تعرف أن تكون خارج منطق العداء الدائم المتجلّي في المئات من الصور منها الجشع والخيانة وانعدام الرحمة والشره.

وفي بعض اللوحات تبدو الكلاب وكأنها معلقة في الفراغ، إذ بدت معظمها مُتشنجة ومُجبرة على الرضوخ للارتفاع نحو وسط أو أعلى اللوحات بواسطة أسلاك خفية لا بد أن تكون قد تكوّنت من فائض الآثام التي راكمتها تجاه الغير. أما هذا “الغير” فهو أيضا شريك ولا يخرج من معادلة العنف القائمة، هو ليس بضحية، بل في حالة حرب مع ذاته ومع كل أشكال وتجليات الآخر، هذا الاصطدام الذي صوّره الفنان العراقي تطلّب طرفين متشابهين في وحشيتهما، متساويين في شراهتهما، لكن، يحدث أن يظهر كلب واحد في لوحاته، حينها تكون له قصة لا تقل قساوة عن غيرها من القصص التي سردها سيروان باران في باقي لوحاته.

ومعلوم أن “سرعة الغالق”، هو تعبير ينتمي إلى عالم التصوير الفوتوغرافي، باختصار شديد، سرعة الغالق، أو “الشاتر سبيد” في آلة الكاميرا هو العنصر الذي يقوم بالتحكم في المدة التي يصل فيها الضوء للمُستشعر، وبالتالي يمكن للمصوّر من خلال استخدامه المتنوع لهذا العنصر من ابتكار صور فنية يبدو فيها جزء من المشهد الثابت والواضح التفاصيل متحركا إلى حدّ كبير و”بسرعة الضوء”، هذا ما تذكّرنا به بعض لوحات الفنان ويُمكن رؤيتها من منظار “سرعة الغالق”.

ومنها تلك التي تظهر فيها الكتل العضلية للكلاب وأنيابها شبه ممحاة أو منصهرة مع بعضها البعض بسب السرعة الخارقة التي لا بد أن تكون الكلاب قد “طوّرتها” على مدى عقود من الوحشية، هنا تلعب براعة بران دورا مصيريا في تحقيق هذه المشاهد الخاطفة والمؤثرات البصرية بكل ما يعني ذلك من معنى.

معظم اللوحات أخذت العضلات والجلود، ولا نقول الكلاب، هيئات اللحم السائح التي برع في تشكيلها سيروان باران

ومن ضمن هذا السياق نذكر لوحة بدا فيها كلب يعدو، حتى يكاد أن يخترق سرعة الضوء استعدادا للانقضاض على فريسة هي حتما من جنسه ونوعه، “أكسدت” سرعته الفراغ من خلفه فتمظهر بمشحات أفقية صفراء وأسيدية تكاد أن تتبخّر لتنشر سمومها في فضاء اللوحة.

وعُلقت هذه اللوحة في الطابق السفلي، مع لوحات للفنان يمكن أن تكون “القصة الأصلية” لما شاهدناه في الطابق العلوي، ففي هذه المساحة توجد لوحة يظهر فيها رجل شديد الالتباس في ملامحه يهاجم كلابا، أو هي تهاجمه، أو هو في حالة إنقاذ رجل آخر مُدمى بالجراح التي أصابته بها الكلاب، لتحيلنا هذه اللوحة إلى الوحشية التي تعرضّ لها العراقيون في فترة الاحتلال الأميركي، لا سيما تلك التي نقلت إلينا صورها من سجن “أبوغريب”.

وتنتشر في هذه المساحة لوحات تظهر فيها الكلاب قبل أن تتوحّش، منها ضحايا العنف والمجاعة والهجران، ومنها ما يستدير ويتكوّر في أرحام غرائبية ليست إلاّ مصانع بغيضة من صنع البشر.

وتبقى اللوحة كبيرة الحجم التي تتصدّر الطابق الأرضي من الصالة اختزالا لجحيم اللوحات، حيث تتعفّن فيها ملامح الكلاب المستشرية في أجسادها الممزقة لتشهد على عصر جديد من الملامح البطولية.

17