لوحات جميل ملاعب في وجه "كلن يعني كلن"

أعمال جميل ملاعب ما بعد الثورة أتت تأكيدا على احتفائه بمفهوم الجماعة وقوّتها في الصمود أمام التيارات المريدة بها سوءا.
الخميس 2020/01/16
جميل ملاعب يدخل «دنيا» الثورة جماليا

من ضمن معرض مشترك نظمته صالة “جانين ربيز” مخصص حصريا للثورة اللبنانية التي واكبها، ومن دون أي مبالغة، الفن متعدد الوجوه منذ لحظة انطلاقتها، حضرت لوحتان تشكيليتان للفنان اللبناني جميل ملاعب. واحدة لساحة الشهداء في وسط بيروت “مركزية الثورة” ولوحة لـ”ساحة النور” في طرابلس عاصمة الشمال و”عروس الثورة”، لو كره الكارهون. ثم توالت الأعمال الفنية ومنها عن ثورة بعلبك، وصيدا وصور كـ”مدن لكل اللبنانيين”.

على الرغم من أهمية عرض هاتين اللوحتين في الصالة، غير أن أهميتهما الفعلية، ومرئيتهما، كانتا عندما نشرهما الفنان على صفحته الفيسبوكية، لاسيما أنه في أولى أيام الثورة كان حذرا جدا في اصطفافه معها وظهر تحفظه جليا على صفحته الفيسبوكية. غير أنه سرعان ما دخل إلى ما نودّ أن نسميه “دنيا” الثورة بكل ما تتفاعل فيها حوادث ومواقف مباشرة على الأرض وما رافقها من ارتدادات طالت جميع أصعدة العيش والفكر.

وبما أن الثورة اللبنانية “تشيل وما تخلي” وإن أحيانا على أكف الراحة، انخرط الفنان جميل ملاعب في جمالية تصويرها. تصوير لم يخرج البتة عن أسلوبه الفني الذي يعتمد، وخاصة في السنوات الأخيرة، على بناء تداخل ما بين عناصر اللوحة حتى اكتمال غياب الحدود في ما بينها في أحيان كثيرة.

وشارك الفنان شخصيا في الاعتصامات بعد أن قدّم لوحات قبيل انطلاق الثورة عن الحرائق التي التهمت أحراش لبنان، وكانت سببا من الأسباب غير المباشرة في اندلاع الثورة.

وفي سياق كون ملاعب فنانا ملتزما بوطنه وبانتمائه إلى عروبته قدّم أعملا فنية ملتزمة عن مدينة القدس العربية في معرض تحت عنوان “القدس” جاءت عابقة بالحياة ورصدت الهندسة المعمارية المتنوعة وتفاصيل الأجواء السائدة في الشوارع، ومن ضمنها انهماك الفلسطينيين في حياتهم اليومية على الرغم من عدوان حكومة الاحتلال الإسرائيلية المتواصلة.

وفي العودة إلى ما قدّمه اليوم من أعمال فنية عن الثورة ظهر واضحا أنه على الرغم من انخفاض وتيرة التجريد التي لازمت حقبة طويلة أعماله المبنية على عناصر واقعية من بشر وأشياء وكائنات حية ومشاهد طبيعية، لازم عمليه الأخيرين وما تلاهما من أعمال مستوحاة من الثورة مزاج التجريد الجاعل من فردية الكائنات المشخصة كلا متماسكا حتى التلاصق.

ولا غرابة في ذلك عند فنان هو إلى جانب كونه فنان الطبيعة اللبنانية وحياة مدنها، هو فنان الجماعة بكل ما تعني الكلمة من معنى. لذلك جاءت أعماله تأكيدا على احتفائه بمفهوم الجماعة وقوّتها في الصمود أمام التيارات المريدة بها سوءا.

وعلى الرغم من اعتبار البعض أن فن جميل ملاعب هو فن “الصالونات الفنية” غير أنه نجح عدة مرات في أن يجعل فنه خاصا بتلك الصالونات وبنبض الشارع على السواء.

ولا بد هنا من الذكر أن ملاعب حرّك بعض الهجوم على شخصه بعد أن صرّح مؤخرا لأحد الصحف بهذه الكلمات حول فن الغرافيتي الذي انتشر على جدران بيروت منذ بداية الثورة “الغرافيتي العشوائي الذي يُنفّذ بلا تنسيق. ولا أحبه ولا يلتقي مع مزاجي، فهو بالنسبة لي مثل الصوت البشع الذي يريد أن يغني، وبعض هُواة الغرافيتي يبحثون عن الشهرة، فحسب”.

الكلام، يجب ألا ننسى، جاء على لسان فنان عريق اعتمد في تصوير مشاهده الفنية على الدراسة والتروي حتى لو دخل عنصر الارتجال لاحقا في سياق إنتاجه للوحة. وهو فنان لمن يعرفه شخصيا عمّق المعرفة أبعد ما يكون عن التعجرف بالرغم من ارتقاء فنه إلى مستوى العالمية. وهو فنان أنشأ بعد يأسه من الدوائر الرسمية في لبنان متحفا للأعمال الفنية اللبنانية، عرض فيه ولا يزال يعرض العديد من النشطات الفنية في قريته التي يعشقها عشقا كبيرا، وهي بيصور في الشوف اللبناني.

مسألة كرهه لعفوية الفن الغرافيتي جاءت من منطلق شخصيته المحبة للهدوء والكارهة للفجاجة. غير أن ذلك لا يمنع البتة من أن يؤاخذ عليه “نقمته” على الفن الغرافيتي الصارخ إلى الحد الذي لا يعترف بـ“عمل” الزمن إلاّ كقاتل للتعبير “الشتّام” بطبعه والضارب “عرض الحائط” غير مخصّص مبدئيا للتعبير الفني بخطوطه وأشكاله وألوانه الجارحة أو القاتمة و”الحدادية”. بل يمكن القول أكثر من ذلك، فالأعمال “المُشخبطة” بسرعة قصوى والواضحة على زجاج المولات والمداخل الزجاجية للمباني، لاسيما بعد تعرضها للكسر، تمتلك جمالية لا يمكن نكرانها وتشكل تعبيرا أقصى لمعنى أن يكون الفن في خدمة القضية.

لا عنف، يعني لا غرافيتي. ولا غرافيتي لا يعني غياب الفن كما في عرف الفنانين كجميل ملاعب، الذين يعتبرون أن “الهداوة” والجمال هما شرطان أساسيان ليكون الفن “فنا”.

16