لوحات دون عناوين تدعو المتلقي إلى المزيد من التأويل

الفنانة السورية ريما سلمون تختزل بالبنّي الهواجس القلقة للإنسان.
الأربعاء 2021/04/07
لوحات تنتمي إلى أجواء الفن المُستقبلي

لم تعد الحياة التشكيلية في لبنان إلى طبيعتها المعهودة رغم تخفيض شروط الحجر الصحي. وهذا ليس غريبا في بلد يرزح تحت شتى أنواع ضربات الشقاء والتي لا تقتصر على انتشار الوباء. وبالرغم من هذا الجو الكئيب فإن الفنانة السورية ريما سلمون استطاعت أن تقدّم معرضا تشكيليا اختارت أن يكون بلا عنوان وأن تكون اللوحات التي تضمه دون عناوين تشير إلى ما أرادت الفنانة التعبير عنه.

افتتحت صالة “ميسيون آرت” البيروتية، في منطقة مار مخايل تحديدا التي تعرّضت إلى دمار كبير جراء انفجار بيروت في شهر أغسطس الفائت، معرضا للفنانة التشكيلية السورية ريما سلمون المُقيمة في لبنان منذ عدة سنوات لا يحمل عنوانا، وضم مجموعة من الأعمال المشغولة بمادة الأكريليك وبالحبر على الورق هي الأخرى لم تمنحها الفنانة عناوينَ.

أما سبب ذلك فيتمثل في أن الفنانة أرادت أن يأتي معرضها خاليا من أية إشارات ضيقة إلى ما قدّمته، راغبة أن تترك للزائر الواقعي والافتراضي على حد السواء مهمة أن يعثر على ما يريد هو العثور عليه، مهما كان ذلك بعيدا عمّا أرادت هي التعبير عنه.

اختيار صائب

ملامح لا هي ذكورية ولا هي أنثوية.. لكنها إنسانية
ملامح لا هي ذكورية ولا هي أنثوية.. لكنها إنسانية

قد يكون قرارها هذا أعطى للناظر إلى لوحاتها المزيد من الحرية في أن يرى فيها ما يُريد. ولكن سيصعب عليه ذلك؛ لأن سلمون لم تتخل عن مسارها الفني يوما وإن سلكت بضع طرقات، بل لنقل سراديب أخرى أكثر أو أقل تعرّجا، أقل أو أكثر غموضا من معرض فردي إلى آخر ومن مشاركة فنية إلى أخرى.

الفنانة في معرضها الجديد وفي معارضها السابقة تستمرّ في رسم كائنها الغرائبي الأقرب في ملامحه إلى المرأة، والذي تعرض وتُدين من خلاله مظاهر الظلم وأصوله، وتمرّ عبره كل مشقات الوجود (منها من دون شك الحرب السورية).

في آخر معرضين لها ظهرت المرأة في لوحاتها كضحية حروب عامة وخاصة، ورسمتها الفنانة السورية كفرد يعيش “فردانيته” ووحدته العميقة، وإن رافقه أو احتضنه كائن آخر مثل نساء أخريات أو رجل تهالكت معالم جسده ولم يطل روحه هذا التهالك، بل ازداد نبلا وشغفا بمن أحاط في لحظه أو بين ذراعيه.

كما تميّزت المرأة في العديد من لوحاتها بتلك النظرة المتجهة نحو الأعلى؛ نظرة ربما كانت أمنية خلاص ممّا تعيشه أو هي نظرة غابت في الفراغ كنوع من انفصال “علاجي” عن الواقع المأساوي لعلّه يُمكّنها من القدرة على الصمود بقدر ما يتطلّب ذلك.

بات من الصعب الفصل بين الرجل والمرأة في لوحات سلمون الجديدة، حيث ظهرا في حالة اتحاد تشوبها حركة قلقة

أما في معرضها الجديد فقد بات من الصعب جدا تحديد هيئة الشخوص المرسومة بشكل تام، وإن استطاع الناظر إلى معظم اللوحات التعرّف على المرأة وحضورها الطاغي والدائم. وأصبح أيضا من الصعب الفصل بين الرجل والمرأة، إذ ظهرا في معظم لوحاتها في حالة شبه اتحاد تشوبه حركة مُقلقة لم تحضر في لوحات الفنانة السابقة.

شبه اتحاد لا علاقة له بفكرة “الحلولية” أو بمنطق الذوبان في الآخر المعشوق، بل هو نوع من نسف واضح لموقع الأرض الثابتة التي كانت غالبا ما تشبه الأرحام في لوحاتها السابقة، أو تشبه حُجرات سرية شبه كروية تبدو وكأنها قابعة تحت التراب، إلاّ أنها وبفضل الفراغات المُقعّرة والمحيطة بالشخوص بدت خارج اختناق التراب وأقرب إلى عالم اتحدت فيه السماء والأرض واصطبغ حتى عمق مساماته بلون واحد وهو البنيّ مع كل تدرجاته المعروفة.

سيادة البنّي

أشخاص يتحرّكون بتدفق متناقض
أشخاص يتحرّكون بتدفق متناقض

ربما لم تقدّم الفنانة لوحة واحدة حتى الآن خارج اللون البني واللون الأسود. ولعل ذلك يعود ليس فقط إلى غوص سلمون في أبعاد اللون البني وما يُحيل إليه من أفكار، بل لأن التعبير الفني عندها هو في الأشكال والخطوط أكثر منه في إخراج سخيّ في التلوين.

وحين نتكلم عن عالم اصطبغت مساماته بتدرجات البني لا نريد أن نشطح في تعابير لا دلالة واضحة لها، ولكن نريد التأكيد على عالم الفنانة المساميّ والغائص والمكوّن من التراب والرمل والماء الشحيح، ولكنه يتنفّس ويمتصّ ما يصل إليه من مؤثرات العالم المحيط، لترشح عنه بيئة قوامها انعدام الفرق بين الزمان والمكان، ويكون الإنسان هو محور هذا الالتباس.

ترجمت الفنانة هذه الحالة بشكل بصري عندما رسمت شخوص لوحاتها يتحرّكون بتدفق متناقض، ولكن بتوازن آثر ليشيروا إلى ثنائية الزمان والمكان في حركة متواصلة ومتقدّمة. هنا أحالت أعمال سلمون الناظر إلى لوحاتها إلى أجواء الفن المُستقبلي.

وشكّلت الفارق عنه أنها لم تتخل عن حميمية التراب والارتباط بالبيئة الطبيعية التي تذكّرنا من خلاله الفنانة بأننا منه وإليه نعود.

ومن المعروف أن المستقبلية، وباختصار شديد، مدرسة فنية تشكّلت في أوائل القرن العشرين وكانت حركة فنية إيطالية تهدف إلى التقاط ديناميكية وطاقة العالم الحديث في الفن بالإضافة إلى الصناعة والتكنولوجيا. وقد خلقت المستقبلية لوحات تعبّر عن فكرة ديناميكية وطاقة وحركة الحياة الحديثة.

وأدّت معظم اللوحات التابعة لهذه المدرسة إلى جعل تكرار الخطوط وتظهيرها للعناصر المتحركة الأمامية والخلفية في آن واحد يبرزان الماضي والحاضر والمستقبل في كلّ شكليّ واحد.

في اللوحات الجديدة للفنانة تنزلق هيئات الشخوص في فوضى حركية مدروسة تتوحّد فيها كل خطوات الشخوص وحركاتهم السابقة واللاحقة.

وولدت الفنانة ريما سلمون في دمشق عام 1963، وتخرّجت في كلية الفنون الجميلة بدمشق قسم العمارة الداخلية عام 1987، وهي متفرّغة للعمل الفني بالإضافة إلى أنها عضو في نقابة الفنون الجميلة بسوريا، وقد شاركت في الكثير من المعارض في الأردن وسوريا وفرنسا وألمانيا.

معرضها الأول كان في صالة “يوروبيا” في باريس عام 2006، حيث قدّمت خلاله ما يقارب ثلاثين لوحة. أما في صالة “الآرت هاوس” الدمشقية فقدّمت معرضها الفردي الثاني الزاخر بالتعبير عن الهواجس الإنسانية. ويذكر أن العديد من لوحاتها حاضرة ضمن مجموعات خاصة.

16