لوحات علي رشيد تقع في مناطق محظورة بالغة الخصوبة

ليس المهم أن تظهر كل الأشكال كاملة في اللوحة بقدر ما تتركه من أثر عميق على المتلقي بعد مغادرتها الفضاء المرسوم، هذا الفعل بمثابة مغادرة الوطن إلى وطن آخر يترك فيه المهاجر أشياءه وآماله خلفه، ليبدأ رحلة جمع الأشياء والآمال من جديد.
الخميس 2015/08/20
رحلة الآمال والأشياء

مدينة وحلم، نقوش ومنمنمات، جزء من ذاكرة صورة، سماوات متعددة ومنفى واحد، تلف جزئي للأشياء، لون رمادي وما تبعه من درجاته حتى السواد…

اهتراء لقماش اللوحة، تهشم أشكال وتقطع خطوط أخرى، شريط لاصق على ورق ومعاجين، طائرة ورقية، مقاطع بصرية من ذاكرة الجدران وعبث الأطفال، وجوه وأياد، كائنات. سواتر مرسومة في داخل كل لوحة وشظايا الألوان وما تبقى من المهمل والمتروك في جبهات القتال لجنود قتلوا، أو فقدوا أجزاء من أطرافهم، أو ضاعت عقولهم كما ضاعت أحلامهم.

دم وأصوات استغاثات من ضحايا الحرب، كل هذا وأكثر يبرز في أفعال تشكيلية تتشكل على أسطح لوحات الفنان العراقي علي رشيد، سعيا منه إلى البهجة والهروب من ضنك العيش خارج الوطن الأول.

أعماله وإنتاجه الفني كان مائزا عن أغلب اللهجات التشكيلية في التجريد، والسائدة عند التجارب العربية الحديثة حتى التي ترعرعت منها في الغرب.

تجارب فنية تقع في مناطق محظورة على الكثير من الفنانين بالغة الخصوبة، الولوج إليها عبر خرم الإبرة، يتطلب خبرة عميقة في التشكيل ودراية معرفية كبيرة، فالكثير من الفنانين يلعب خارج نطاق حدودها الإدارية رغم السنوات الطويلة في ممارستهم هذه المهنة.

هي ذائقة بصرية ومعرفية متفق عليها منذ بزوغ فجر مدرسة اللاشكل بكل تبعاتها من تطورات تقنية وفكرية، ونماذج أصبحت مراجع ومصادر لهذا الاتجاه من الفنون، فتجارب الفنان الأميركي سي تومالي والفنان جاكسون بولوك والفنان مارك روثكو أصبحت من ضمن هذه المناطق التي يتناغم معها الفنان، وحتى في بعض الأحيان يتجاوزها إلى مناطق أكثر خصوبة وجسارة بملامح صوفية.

علي رشيد: الحرب نزهة للقتلة، الحرب صناعة القبائل المحكومة بجاهليتها

خبرة في التلوين وخفة في ضربات الفرشاة بخطوط سريعة تتلوى على أجساد مقبورة مهجورة في فضاءات سديمية، يغلب عليها لون سماوي في كثير من الأحيان يظهر في مساحات من أدخنة رمادية، تتخللها خطوط وتقسيمات رفيعة بيضاء، كأنها كشط وخدوش بآلة حادة على أسطح جدران جيرية قديمة تصبح خلفية لقصة ما قد حدثت، أو مساحات رمادية تنتشر فيها بقعة لون صفراء في تجاور رائع ولغة تشكيلية تنتج أصواتا جديدة ونغمات متعددة تضفي البهجة رغم كل شيء.

كل هذا وأكثر إشارات إلى فظاعات الكائن، وقفة ضدّ كل القتلة أشباه البشر، وكما جاءت دعواته المكتوبة ضد الحرب، حيث قال الفنان علي رشيد “الحرب للمتمترسين خلف بهيميتهم من مصاصي الدماء، الحرب نزهة للقتلة والمسعورين، الحرب صناعة القبائل المحكومة بجاهليتها”. وأيضا مقولته، بل صرخته المتكررة “في العراق ألف غرنيكا لم تظهر بعد”.

وعلي رشيد فنان تشكيلي وشاعر عراقي من مواليد 1957 درس الفن في معهد الفنون الجميلة ببغداد وأكاديمية الفنون الملكية (لاهاي)، حاصل على شهادة الماجستير من جامعة ليستر (بريطانيا وأسبانيا)، ويعمل في النص والتشكيل على مشروعه الذي مارسه منذ بداية الثمانينات والذي أسماه “تدوين الذاكرة”. أقام وشارك في الكثير من المعارض بالعديد من الدول العربية والأوروبية منها العراق، الجزائر، ليبيا، مصر، فنلندا، الدنمارك، النرويج، بلجيكا، ألمانيا، أوكرانيا، أسبانيا، اليابان، وهولندا حيث يقيم.

أصدر الكتب التالية: “أضحية رمزية لمعارك الله” وهو كتاب تخطيطات، “الغياب”، “وحدك الآن”، “منزل كفافي”، و”ذاكرة الصهيل”، وهي كتب يدوية بنسخة واحدة لقصائد مرسومة، “خرائط مدبوغة بالذعر” مجموعة شعرية، “ذاكرة الصهيل” مجموعة شعرية أيضا، حصل على جائزة شعرية عام 1998 للأدب المهاجر من منظمة دنيا في روتردام. وهو يحاضر حاليا في مادة الفن الإسلامي في جامعة أوروبا الإسلامية سخيدام بهولندا.

16