لوحات فلسطينية بتعابير حالمة ولغة سريالية

أعمال فنان الفلسطيني الراحل توفيق عبدالعال لا تنتمي إلى مدرسة فنية محددة، بل تختزن تجارب فنية لمدارس متعاقبة شرقية وغربية.
الجمعة 2018/07/27
للبحر لون الحنين

عادت أعمال الفنان الفلسطيني الراحل توفيق عبدالعال (1938-2002) مجددا إلى بيروت التي عاش ومات فيها بعد مغادرته عكا بعد نكبة 1948، وذلك من خلال معرض استعادي كبير تقيمه حاليا “دار النمر للفن والثقافة” البيروتية، الفنان الذي تنقل بين الواقعية والرمزية والتعبيرية والسريالية، ومارس الرسم والتصوير والنحت والتخطيط، آثاره الفنية التي أتت تحت عنوان “إيقاعات زمن مختلف”، أكدت ما اتسم به الفنان الفلسطيني الموسوم بسيّد القلق.

بيروت – تقدّم “دار النمر للفن والثقافة” ببيروت، وهي المؤسسة الثقافية الناشطة في بيروت والمهتمة بتراث المنطقة مع تركيز خاص على الثقافة الفلسطينية، المعرض الاستعادي الأول للفنان الفلسطيني توفيق عبدالعال تحت عنوان “إيقاعات زمن مختلف”، والفنان من مواليد عكا، فلسطين عام 1938، وينتمي إلى الجيل الأول من الفنانين الفلسطينيين.

وتقدّم الصالة المعرض بهذه الكلمات التي تنجح في اختصار المسيرة الطويلة للفنان “يتميز عمله بنكهة خاصة بسبب ثقافته البصرية وحريته التعبيرية، جمع في إنتاجه الفني بين الرسم والنحت والتصوير الزيتي، لا تنتمي أعماله إلى مدرسة فنية محددة، بل تختزن تجارب فنية لمدارس متعاقبة، شرقية وغربية”.

تجربة متفردة

تجربة زيارة المعرض تستحق وحدها مقالا كاملا، ليس لكثرة الأعمال المعروضة وتنوعها ولا لقوة التنظيم والإحاطة بكافة أساليب الفنان التعبيرية، بقدر كونها تدخلك إلى فلسطين/الحلم خارج نطاق حضور مغتصبها، على الرغم من أن معظم اللوحات وثقت عاطفيا بالنسبة للفنان تجربة الشتات ومقاومة المحتل، ممّا جعلها تجربة عامة يُمكن أن يرى فيها الكثيرون غير الفلسطينيين صدى لتجربتهم الشخصية مع التهجير والحنين.

زائر المعرض سيشعر لدى دخوله إلى الصالات الفرعية الرحبة والمنفتحة على بعضها البعض أن الفنان لا يزال ما بيننا، يعود ذلك إلى الزخم الذي قدّمت فيه الصالة لوحات الفنان مع كتاباته الانطباعية/ الشعرية وسلسلة الأفلام التسجيلية “الطازجة” التي تنقلك خاصة إلى عكا، وكأنك حاضر فيها، والتي هي بدورها حاضرة “جسديا” في قلب بيروت المدينة الساحلية/ العربية، ليبقى أن تتنشق في الصالات المبرّدة والمعزولة عن قيض الصيف ورطوبته البيروتية، رائحة الصابون النابلسي المصنوع يدويا يفوح من الزوايا.

لوحات الراحل تميزت برمزية غير شائكة وناصعة الوضوح
أزرق توفيق عبدالعال المفقود يعود للانتشار في بيروت

يضيف القيمون على “دار نمر” وعلى المعرض هذه الكلمات “يتوق المعرض لأن يكون قراءة جديدة في أعمال هذا الفنان المميز من خلال الكشف عن ثنايا عمله وربطها في رحمها الأول، عبر مجموعة من الأفلام التسجيلية لأقربائه وأصدقائه ولمنبع أحلامه وملهمته مدينته العريقة عكا”، والمعرض لم يقم هذا الرابط فحسب، بل أقامه ما بين كل عربي يريد أن يخيط رابط ما بين رسومات ولوحات الفنان وكتاباته الوصفية والشعرية التي جاءت غير مُفسرة للأعمال بقدر ما هي صدى بصري لارتدادات مشاهدها الأولى في نفس الفنان. وكالعديد من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين تعرضت أعمال عبدالعال إلى التدمير، حيث طالها أربع مرات في أربعة أمكنة مختلفة، حيث يُذكر أن استقرار الفنان الراحل بعد النكبة في بيروت بالقرب من مخيم برج البراجنة الشهير جعله يختبر ظروف قاهرة لا تخفى على أحد، ومن ضمن تلك الظروف اختباره الحروب والصراعات في لبنان.

تعرّض سنة 1987 للاعتداء ومحاولة قتل على أيدي إحدى الميليشيات اللبنانية المسلحة التي لسنا نحن في صدد ذكرها هنا، ولكننا حتما في صدد ذكر أثر هذا الاعتداء وهو تحطم زجاج نظارته الذي أصاب عينيه مسببا تدمير الشبكية.

ونتج تدريجيا بعد هذه الإصابة فقدان عبدالعال لبصره ليجد في الكتابة والشعر عالما إبداعيا بديلا عن الفن، لكن كلماته جاءت بصرية مُصطبغة بألوان فنان تكسّرت
على شطآن عوالمه الداخلية المشحونة بالذكرى.

وهنا، مختارات من الكتابات التي اعتنت الصالة بعرضها إلى جانب لوحات شكّلت صدى لها، إذ يقول عبدالعال في قصيدة “أغنية الوشم الأخضر”:

“يمتطي طيف شراع أبيض

يرفع قلوعه المتعبة في وجه الريح

يشق عباب اليم بعناد

يبحث عن حبيبية أضاعها

على شاطئ الأماني يوما

غجري الملامح والطبع

يفتح صدره للبحر

ويشهر سيفه في وجه العاصفة

.. علّه يصل

دائرة الحب والفرح”.

مع العلم بأن الفنان اتجه في حقبة من مسيرته الفنية التي جاءت قبل فقدانه لبصره نحو الرمزية، إلاّ أنها رمزية غير شائكة وناصعة الوضوح ولا تتطلب الكثير من التأمل حتى نصل إلى فحوى دلالاتها وإلى مصادر وحيها، منها الحصان، وهو رمز الشعب والثورة، ونبات الصبير الذي ينتشر في فلسطين وينمو داخل المنازل الفلسطينية فيرمز إلى الوطن وإلى عذوبة القسوة، إذا جاز التعبير، وإلى حلاوة الصبر وجمال أزهاره متوقدة الألوان التي إن أوحت بشيء فهي توحي بالأمل والقدرة على الثبات رغما عن العطش المُزمن، أما المرأة فهي أيضا حاضرة في لوحاته رغم أنها قد تكون ليس أقوى وأجمل ما رسمه الفنان في رسومه التأسيسية أو لوحاته الزيتية.

 الحنين إلى عكا

لوحات الراحل تميزت برمزية غير شائكة وناصعة الوضوح
رمزية ناصعة الوضوح

أكثر ما يلفت في لوحات عبدالعال هي تلك الزرقة التي ولد في رحمها وظل يعوم في مائها حتى بعد أن هجّر إلى بيروت. هي ماء عكا، وزرقتها التي تذكّر كثيرا بزرقة بيروت (قبل أن يصيبها التلوث البيئي)، حتى في اللوحات التي لم يرسم فيها الفنان شواطئ ومرافئ وأسماك عكا، استمرت هذه الزرقة في اللوحات الأخرى التي لا تحضر فيها الزرقة “لونيا” كما في اللوحات التي رسم فيها النساء واللوحات التجريدية التي رسمها في أواخر سيرته الفنية.

وتظهر هذه الزرقة في الأسلوب الذي وزّع فيها الفنان التقاسيم اللونية في لوحاته التي تشفّ بعضها على بعضها الآخر، فمعظمها تذكّر بالبحر بانسيابها وتدرجاتها وتوالدها من بعضها البعض كما تتوالد الأمواج، كما أن بعض اللوحات لا سيما التجريدية منها تتميز بتقاطيع تخترقها خطوط مائلة ومتعاقبة تحيل المشاهد إلى مشهد بحر من على بعد.

وكتب الفنان عن عكا هذه الكلمات التي تؤكد هذا الاتصال غير المقطوع مع البحر:

“عكا

.. حنين

.. حنين

يحملني إليك يا وطني الحزين

جياد أصيلة سيقت إلى المقصلة

وجياد كبت تحت وطأة القيد

ونشيد سجين

من المحيط إلى الخليج

تماثيل ودنانير وزيت

.. وسرجي مطفئ

.. فلسطين

.. فلسطين

.. فلسطين”.

ويستدير القمر في فضاء عكا التجريدي حارسا/ سراجا/ مؤجلا وتنمو الخطوط والمستطيلات الضيقة في اللوحات كأعشاب بحرية نمت على شباك متقطعة لصيادين غادروا البحر لينتشروا من المحيط إلى الخليج، ولكن لم يغادروا لا الذاكرة ولا وجدان الفنان توفيق عبدالعال.

17