لوحات فنية تضيء حومة السوق في جزيرة الأحلام التونسية

فنانون تشكيليون من تونس والمغرب والجزائر وفرنسا والبرتغال وتركيا وإنكلترا يرسمون لوحات على جدران متداعية للشارع الذي لا يحمل اسما في جزيرة جربة.
الجمعة 2018/04/13
فرشاة وألوان تبين تفاصيل الجمال في الأبنية القديمة

جربة (تونس)- كان هناك شارع مهجور في مدينة حومة السوق يعرف عند أهالي جزيرة جربة السياحية التونسية (جنوب شرق) بـ”بين الفنادق” لتواجده بين مجموعة من الفنادق، لكن كانت الظلمة تسود معظم أرجائه ويهاب السكان مجرّد المرور منه.

 ثم أصبح هذا الشارع معرضا فنيا مفتوحا يحتوي على لوحات تشكيلية كبيرة رسمها فنانون تشكيليون من تونس والمغرب والجزائر وفرنسا والبرتغال وتركيا وإنكلترا، بمبادرة من جمعية “ابسكوز” (غير حكومية) التي قامت بتنظيف وتهيئة الشارع الواقع وسط الجزيرة، ثم دعت هؤلاء الفنانين إلى رسم لوحات على الجدران المتداعية للشارع الذي لا يحمل اسما وإنما يُعرف بالشارع الموازي لفندق “المالطية”.

 

جربة جزيرة تونسية لا تستحق النسيان، فلقد كانت تسمى جزيرة الأحلام يفد إليها السياح من مختلف دول العالم، لكن الحكومات في السنوات الأخيرة أهملتها لتراجع السياحة ليغيب عنها لون الزهو وحركة الفرح، فأخذت جمعيات غير حكومية على عاتقها إنقاذ هذه الجزيرة وإعادة الألق إليها بمبادرة بيئية وفنية، كانت آخرها تظاهرة جمعت ثلة من الرسامين عملوا على إعادة الحياة لنهج مهجور في مدينة حومة السوق

هذا الجهد جاء في إطار تظاهرة “جربة ترسم”، التي أقيمت في مدينة “حومة السوق” بالجزيرة، الأسبوع الماضي على مدى 3 أيام. وقالت أحلام الحاجي المنسقة العامة لهذا الحدث، إنها “تظاهرة بيئية بالأساس، فقد أعدنا تهيئة هذا الشارع المهجور واستدعينا فنانين تشكيليين من مختلف البلدان، على غرار فرنسا وبلجيكا وإنكلترا والمغرب، ليضعوا لمساتهم الفنّية على جدران الشارع الرابط بين فنادق تشكو التهميش رغم تواجدها وسط المدينة”.

وهذه الفنادق التي كانت آيلة للسقوط هي عبارة عن طوابق من غرف صغيرة، فوق بعضها، استعملها سكان الجزيرة في السابق كدكاكين لعرض منتجاتهم الزراعية وبيعها.

وتتوسط هذا النهج بناءات تاريخية أخرى منها جامع الترك وكنيسة وليس بالبعيد عنه سوق الربع، لكن الحركة تكاد تنعدم فيه وحتى المرور منه قليل ونادر لأن تلك المعالم التاريخية آيلة للسقوط، وجاءت هذه المبادرة للتحسيس بقيمة هذه المعالم وإعادة الحياة إلى هذا الركن الموجود في قلب المدينة النابض لحومة السوق.

وكانت الثلاثة أيام من عمل الرسامين كفيلة بأن تلبس النهج الذي لا يحمل اسما حلة زاهية وتحوله إلى معرض مفتوح في الهواء الطلق للوحات فنية بخصوصية الجزيرة، فحملت اللوحات الحائطية حرفة السعف وجمال وجه الفتاة الجربية بلباسها التقليدي والسمك والفخار وهندسة المنزل الجربي والخط العربي.

وعن انطباع الفنانين، قالت سنية غرياني إحدى منظمات التظاهرة، “منذ البداية أبدى الفنانون رغبتهم في القدوم إلى جربة.. بالنسبة لهم تعتبر هذه التظاهرة فريدة، إذ وجدوا أنفسهم للمرة الأولى يرسمون على أماكن أثرية، بينما اعتادوا الرسم على البنايات الكبرى”. وتحوّلت الجدران المهترئة في هذا الشارع إلى محامل للفنانين لرسم لوحاتهم التي تنوعت وامتزجت فيها مختلف الأشكال الفنية.

وداخل هذا المعرض المفتوح تم رسم 16 لوحة فنية، اختلفت قياساتها وتناولت مواضيع عديدة مستمدة من ثقافة جزيرة جربة، فضلا عن أعمال صور (بورتريه) لعمال وأطفال صغار. وفي إحدى اللوحات تحضر المرأة الجربية مرتدية “الفوطة” (لباس تقليدي)، بريشة الفنانة المغربية نادية الغرياني.

وعلى الجدار الواحد يمكن أن تجد أكثر من لوحة فنية، يتجاور فيها الخط العربي مع الفن المعاصر، وخاصة المدرسة التجريدية المعروفة برسم الشخصيات باستعمال الأشكال الهندسية، كما توجد أعمال فنية أخرى ملتصقة بالحائط باستعمال الخيوط والحصيرة، وهو بساط أصفر يستعمله خاصة أهالي الجنوب التونسي.

أحد المشاركين في هذه التظاهرة الفنية هو الفنان التشكيلي الفرنسي ويلي فريشارد حاول تجميع كل الأنواع الفنية في لوحة واحدة مع إدخال رموز تونسية، مثل “يد فاطمة” أو “الخمسة” (رمز يتخذ شكل اليد) أو السمكة، وهي رموز يعتقد التونسيون أنها تطرد الحسد والشر. وقال فريشارد إن “جميع الفنانين يعملون بشكل فردي أو ثنائي، وحاولت أن أعمل مع المجتمع الجربي الذي كان حاضرا في هذا العمل الفني”.

وتابع “حاولت تجسيد شخصيات الفنان التشكيلي بيكاسو عبر الألوان التي كان يستعملها، وكذلك موندريون الفنان التشكيلي الهولندي، وهي خاصة بالألوان الحمراء والصفراء الدالة على الفرحة عند الصغار، مع إضافة الرموز التونسية التي قرأت بأنها من الموروث التقليدي التونسي”.

وفي جهة أخرى من هذا الشارع أتم الفنان التونسي أشرف عبدالعظيم لوحته التي اختار لها اسم “النسّاج”، وقد استمد تفاصيلها من طبيعة النشاط القائم في هذا المكان، وخاصة من خلال عدد من العاملين في قطاع النسيج.

هذه اللوحة تجسد شيخا من جزيرة جربة يقوم بضفر ألياف الحصير، وتنقسم اللوحة إلى جزأين، أحدهما باللون الأبيض والأسود، والآخر اختلطت فيه الألوان بشكل مكثّف. وقال عبدالعظيم عن عمله “من خلال انقسام اللوحة إلى جزأين على مستوى الألوان أردت الإشارة إلى أن هذه المهنة أصبحت تصارع من أجل البقاء ووجب الحفاظ عليها”.

ويأمل القائمون على هذه التظاهرة أن تعيد الحياة إلى هذا الشارع، وتفتَح الدكاكين التي أغلقت في السابق بسبب حالة الكساد. وأنهت جمعية “هيبيسكوس”، التي تعني زهرة حمراء تتواجد كثيرا في الجزيرة وتتفتح في النهار، مبادرتها بأن أعطت لهذا النهج اسمها في عملية استحسنها كل من واكب التظاهرة اعترافا لها بجهودها.

وأعادت مبادرة الجمعية إلى الذاكرة تظاهرة “جربة هود” التي زينت منطقة الرياض بجربة وأقامت معرضا مفتوحا للوحات على الجدران رسمها فنانون من مختلف بلدان العالم، وهو إلى اليوم محطة بارزة في المسلك السياحي ومزار للتونسيين والأجانب رغم أن البعض من هذه اللوحات بدأ يتأثر بمفعول العوامل الطبيعية، وتسعى جمعية أحباء مدينة الرياض إلى مبادرة جديدة لإعادة هذه الرسومات إلى ألقها. وتستعد جمعية “هيبيسكوس″ الثقافية والاجتماعية إلى تنظيم تظاهرتين دأبت عليهما منذ إحداثها، وهما تظاهرة سباق المراكب الشراعية التقليدية وتظاهرة جربة أرض السلام والتسامح.

20