لوحات مريم بوخمسين.. عالم أنثوي وروح طفولية

الأحد 2014/02/02
إذا حضرت المرأة بَطُلَ الرجل

“المرأة ليست جوهرة لتنام في صندوق، ولا شوكولا تغلّف بالقراطيس، ولا وردة في مزهرية. هذه النزعة الاستهلاكية التشييئية في وصف المرأة والنظر إليها أحالت الأنوثة إلى أشياء، لا كينونة أو فرادة، تستمدّ كل سماتها من سطوحها الخارجية” بهذه العبارة الثورية صدحت التشكيلية السعودية مريم بوخمسين في معرضها الشخصي الأول “صحبة العِقد” متحديةً بلوحاتها سطوة النسق الاجتماعي الذكوري المختطف لكيان المرأة الحرة.

المعرض الذي افتتح أبوابه لزائريه في صالة جاليري “التراث العربي” بالخبر/ شرق السعودية حظي بجهور ثقافي غفير بقي مختلفاً في قراءة الأعمال التي كانت جدلية، ضمن مناخ تشكيلي واحد مشغول بالمرأة فقط، وينطلق من سؤال فلسفي عميق يبحث عن هويتها في مجتمعٍ ذي بعد إنساني واحد (بتعبير هاربرت ماركيوز)، صاغته مريم بوخمسين على طريقتها الخاصة مستحضرة من خلال ألوانها واشتغالاتها ذاكرة اليسار الأوربي في ثورته على تاريخه الخاص جداً. ولعلّ هذا التباين في الهوية الجامعة للمرأة بين الشرق والغرب جعلها غير معنية بقلق توازنات الهوية المحلية ومدى اختلافها مع هويات أخرى، فالمرأة –حسب بوخمسين- لها قلق واحد مهما اختلفت جنسيتها، مستأنسةً في ذلك بمقولة سيمون دي بوفوار “المرأة كالرجل، كلاهما له جسد، لكن المفارقة الغريبة هي أن الجسد الأنثوي غالباً ما يتمّ تمثّله في استقلالٍ عن المرأة كإنسان”.

من خلال 35 لوحة قدمتها بوخمسين مستخدمةً الأكروليك على الكانفس، ومشغلةً بعضها بتقنية الكولاج، وضعت المرأة في جميع لوحاتها بلا ملامح قد ترشد القارئ لحزنها أو فرحها أو انكسارها أو انتصارها، مغيبةً العيون التي تخافها أثناء رسمها لها حسب تعبيرها. وتاركةً الجسد الأنثوي وحده يعّبر عن هذه اللغة على طريقته، حيث وضعت “نساءها” على شكل دمى في مزهرية، أو برواز، أو كأس نبيذ، أو حذاء بكعب عالٍ، أو درّاجة، أو على حبل غسيل، وجعلت البعض الآخر في حالة رقصٍ وانتشاءٍ ونشوة إيروتيكية. بينما غاب الرجل عن المعرض بالكامل ماعدا لوحة واحدة يتيمة استحضرت فيها الرجل على شكل “ظل”، أو خيال لرجلٍ يسكن المرأة، لكنه ليس حقيقياً، أو هكذا أرادت له ألا يكون حقيقياً. مكتفية بحضور شواربه بصورة ساخرة في بعض اللّوحات.

استخدمت بوخمسين في تجربتها ثيمة “العقد”

استخدمت بوخمسين في تجربتها ثيمة “العقد” ليس في دلالته الجمالية فحسب، بل ذهبت بمدلولاته ناحية اللغة، تقول في “صحبة العقد”: “عُقود. عِقد على امراة. عَقد بين طرفين. وعُقَد تنفثها الساحرات. بين فتحة وضمة وكسرة. (ع ق د). المرأة مرآة لكل ذلك”. وربما هذا الانزياح من التشكيل للغة للتشكيل من جديد يعكس مدى الجهد العقلي المبذول في الاشتغال التشكيلي من قبلها، فهو –على ما يبدو- ليس وليد لحظته بقدر ما هو تراكم معرفي قائم على التأمل الدائم. اختلفت القراءات لتجربة “صحبة العقد” التي استلهمت عنوانها من قصيدة المتنبي الذي يقول فيها “نسيت وما أنسى عتاباً على الصدّ* ولا خفراً زادت به حمرة الخدّ. ولا ليلة قصرتها بقصورة * أطالت يدي في جيدها صحبة العقد”. ولكن الجميع كان متفقاً على أن مريم بوخمسين صاحبة صوت تشكيلي له بصمته الخاصة، ولو استمرّت بهذه القوة فستكون من أهم التجارب السعودية، فلقد قدّمت نفسها بذكاء في معرضها الشخصي الأول ممررةً موقفها الوجودية حيال المجتمع بقوة تتكئ على احترافية بدت كبيرة مقارنةً بعمرها الفني القصير، الأمر الذي سيجعلها في اختبار حقيقي حيال تجاربها القادمة.

وعن تجربتها عبّر القاص حسين الجفال قائلاً “بأن ألوان بوخمسين تبعث على البهجة والاحتفال بالحياة، لكنها مسكونة بهاجس الرجل/ القيد الذي يطوّق عوالمها. وهذا الأمر طبيعي جداً في مجتمع يخنق المرأة بكل وسائله المتاحة وغير المتاحة”.

أما الكاتب مجاهد عبد المتعالي فأوّل تغييب العيون عن تفاصيل الجسد بتغييب الهوية لأن العيون حسب رأيه شخصية مستقلة لم ترد الفنانة أن تحضر في لوحاتها ذات الهوية المغيبّة”. وأكمل عبدالمتعالي متسائلاً “لماذا القلق من سؤال الهوية أصلاً؟!”.

وكانت للفنانة التشكيلية حميدة السنان قراءة في تجربة بوخمسين قالت فيها “تعالج بوخمسين شخوصها وخلفياتها الملوّنة باستخدام مباشر لا تلجأ فيه لضلال أو لتدريج لوني. وتستعين بمعالجات (الكرافيك) في تجريب طباعة المواد المعروفة وغير المعروفة بما يستلزم ويلائم أفكارها ومتطلباتها الفنية”.

وعلّلت السنان ابتعاد بوخمسين عن الدخول في تفاصيل المدرسة التصويرية أو الواقعية بقولها: “لعل ابتعادها أخذنا معها عبر تواصل الشكل الرقيق في معالجات خطوط رقيقة وشفافة متناغمة وحالة تبسيط واعية، راسيةً بذلك قواعد حدود واسعة التعبير، ومبديةً بجرأة مضامين الأفكار لعالم خاص تخلقه الأنثى”.
بوخمسين: تجربة صحبة العقد هي تطور لتجربتي الفنية التي تبلورت خلال الثلاث سنوات الماضية، فالمرأة هي قضيتي

وفي سؤال لصحيفة العرب حول معرض (صحبة العقد) قالت بوخمسين “تجربة صحبة العقد هي تطور لتجربتي الفنية التي تبلورت خلال الثلاث سنوات الماضية، فالمرأة هي قضيتي، وكانت لي معها رحلة بحث على المستوى الفكري والفني. كان من الضروري القراءة في التاريخ والفلسفة والدين وعلم الإجتماع حتى أستلهم كل هذا. ولأن الفن يختارني ولا أختاره تشكلت التجربة بمظهرها النهائي تلقائيا متأثرة بكل ما مررت به من خبرات، ولا أعرف ماذا سيختار لي الفن في المستقبل”.

وعن استشرافها لمستقبل المشهد التشكيلي السعودي علّقت: “أعتقد أن الوضع يسير نحو الأفضل، فالفنان السعودي أصبح يملك رؤية فنية ناضجة تؤهله للمشاركة في المحافل الدولية، وبدأ الاعتراف بالفنان كجزء محرك حقيقي للمشهد الثقافي”.

وحول أثر الرقيب الإعلامي الصارم على المشهد الثقافي السعودي، وعما إذا كان الفنان يلجأ للمجاز كما يلجأ إليه الشاعر أجابت: “إن للفنانين حدودهم كما لغيرهم، رغم أن الفن عالمياً تخلص من كل قيود الشكل والموضوع إلا أنه محليا ما زال محاصرا بالكثير من القيود التي تفرضها الرقابة والمجتمع أيضاً، لكن من وجهة نظري إن هذا الأمر جعل الفن أكثر قوة فالاعتماد على التلميح لا التصريح يعطي الأعمال الفنية عمقا إضافيا و يدل على ذكاء الفنان وقدرته على تضمين عمله الكثير من المفاهيم الغير مباشرة”.

12