لوحة التشابهات العربية والتمايزات القاتلة

السبت 2014/03/29

بعد نجاح الثورة التونسية في الإطاحة برأس النظام، ساد “المثال” الثوري الساحات العربية، وتعزز مع إعادة الكرّة في مصر. آنذاك، شعرت جماهير اليمن وليبيا وسوريا أنها اكتشفت طريق الثورة، والأدوات الضرورية لإسقاط النظم الحاكمة التي بدت متشابهةً حد التطابق.

كان تطابقا خادعا إلى حد كبير، إذ اختفت التمايزات البسيطة لكن المؤثرة في زوايا لوحة التشابه العملاقة. تداخلت في اللوحة مجموعة من الدول البائسة، المحكومة لعقود بطغم عائلية، وهي تكرس سنواتها الأخيرة لنقل السلطة إلى الأبناء الأوفياء لتجربة النظام “الجمهوري” المستبد.

حضرت التشابهات المحقّة بالفعل، فيما غابت التمايزات التي تحكمت إلى هذا الحد أو ذاك في المسارات التي أخذتها الثورات والمآلات التي انتهت إليها.

من نجاحٍ باهرٍ ومباغت للثورتين التونسية والمصرية استغرق أسابيع من الاحتجاجات السلمية فحسب، إلى نجاح شاق في اليمن، وأكثر مشقّة في ليبيا، وصولا إلى فشل التغيير السلمي في سوريا، وتعثر التغيير المسلح، والتوهان في حربٍ مدمرةٍ، مزقت المجتمع والاقتصاد ولا يٌعرف تماماً متى وكيـف يمكن لهـا أن تضع أوزارهـا.

كانت صعوبات التغيير في دول الربيع العربي ترتبط بعاملين حاسمين: الأول يتعلق بطبيعة النظام الحاكم، وفي القلب منها درجة ارتباط مؤسسات الدولة الإدارية والاقتصادية والعسكرية بالعائلة الحاكمة. فيما يتصل العامل الثاني بدرجة اتساع القاعدة الشعبية للنظم الحاكمة.

على المستوى الأول، اتسم النظام التونسي والمصري واليمني بقبضة أمنية على الدولة والمجتمع، غير أنها بدت “ليّنة” قياساً بالقبضة الأمنية والعسكرية والاقتصادية العاتية في سوريا وليبيا. تباينت درجات التسلط والامتلاك للدولة، وحكمت تلك التباينات درجة اتساع وتغوّل الدائرة المحيطة بالسلطة من العشيرة والأقارب والمقربين، والتي استحوذت على مؤسسات الدولة ومواردها بدرجات متفاوتة.

في مصر وتونس، وجد جهاز الدولة بمؤسساته المختلفة بضع ثغرات أمكن التسلسل من خلالها بعيدا عن قبضة الحاكم المركزي. امتلك كل من الجيش المصري والتونسي وحتى اليمني مساحةً مستقلةً، مكنته من حساب وتقدير المصالح الخاصة بمعزل عن مصالح الحاكم.

وكان ذلك نتاج صراع طويل بين عناصر السلطة، فالأمر لم يكن كذلك في زمن عبد الناصر على سبيل المثال، بل كان نظامه أقرب إلى نظام البعث السوري في سيطرته على الدولة والمجتمع.

وتبعاً لدرجات التسلط تلك، نشط مجتمع مدني كان له دور فاعل في سرعة عملية التغيير وسلميتها في كل من تونس ومصر واليمن، فيما بقي خارج معادلة التغيير في كل من سوريا وليبيا. في تونس كانت انتفاضة الحوض المنجمي العام 2008 فاتحة لسلسلة من التظاهرات المطلبية للعمال وللعاطلين عن العمل وللمعارضة السياسية، وصولاً إلى انتفاضة سيدي بوزيد العام 2011 التي أنهت حكم بن علي.

كما لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً هاماً في دفع الاحتجاجات ضد النظام الذي سيطر على معظم قيادات الاتحاد، لكن القيادات الأصغر، المعارضة للنظام، استطاعت الإفلات والوصول إلى مناصب قيادية قبل الثورة ولعبت دورا تعبويا كبيراً.

كذلك الحال في مصر، ففي حين نشأ الاتحاد العام لنقابات العمال زمن عبد الناصر كمؤسسة سلطوية تهدف إلى كبح حركة العمال ومنع تطورها المستقل، شهدت مصر مبارك موجة إضرابات عمالية طيلة النصف الثاني من العام 2000، وصولاً إلى تشكيل نقابة مستقلة عن الدولة. كان ذلك نتاج ارتخاء قبضة السلطة، وانفتاح الفضاء العام جزئيا قبل اندلاع الثورة.

في سوريا، غاب الفضاء العام قبل الثورة، وحضر فضاء الحاكم فحسب، الذي استحوذ على الاقتصاد ومؤسسات الدولة، ونواتها الرئيسية “الجيش الوطني”. كان الأخير عبارة عن جيش الأسرة الحاكمة، ترتبط نواته الرئيسية بها عبر رابطة النسب والعشيرة والطائفة.

وتتقلص دائرة الولاء، فلا تكون للوطن أو حتى للسلطة الواسعة التي تضم المقربين وأصحاب المصالح، بل لشخص الحاكم الأبدي، الذي يصبح محور التوازنات الداخلية، ونقطة الإسناد الرئيسية للنظام الطاغوتي القائم. في هذه الأجواء، لا مساحة مهما تناهت في الصغر خارج فضاء النظام الرئاسي الحاكم.

على المستوى الثاني من التمايزات، نجد القاعدة الشعبية للنظم الحاكمة. فحيث أتيح ذلك، تم استخدام البنى الاجتماعية ما قبل الوطنية (العشائرية والإثنية والدينية) في المجتمعات العربية، كأدوات لتكريس التحكم والسيطرة.

أسهم ذلك في تشكيل القاعدة الشعبية الضرورية التي تؤمّن تماسك السلطة، خصوصاً في حالة غياب القاعدة الاجتماعية المتكونة على أساس اجتماعي، كتلك التي كونها حزب البعث في سوريا وجمال عبد الناصر في مصر في السنوات الأولى لتولي السلطة.

وبصرف النظر عن طبيعة القاعدة الشعبية، فهي تشكل في ظل وجود أنظمة استبدادية مطلقة، عقبة كأداء في وجه أي حراك شعبي من أجل التغيير، ومن المرجح أن تغرق محاولات التغيير في مواجهة عسكرية مدمرة، يسيطر عليها الطابع الأهلي- السياسي مع مرور الوقت.

هكذا، حمل النظامان المصري والتونسي طبيعة أمنية أقل وطأة، وهو ما أتاح للحراك الشعبي أن ينمو ويتراكم، هذا فضلا عن التجانس الديني والإثني وتراجع حدة الانقسامات التي أفقدت تلك النظم أية قاعدة شعبية مضادة. أما في اليمن فرغم وجود انقسامات قبلية، فإن قبضة النظام كانت متراخية، وكان العمل السياسي والصراع موجودين قبل الثورة، وهو ما أتاح انتصارها بعسر شديد.

في سوريا وليبيا، امتلك النظامان السلطة المطلقة، حيث لم يفرطا في أي جزء منها، ومنعا تراكم أي عمل سياسي واحتجاجي. كما حضرت الانقسامات العشائرية والاجتماعية والطائفية بقوة، لتؤمن القاعدة الشعبية الضرورية للصراع.

وفي حين لم يجد النظام الليبي محيطا إقليميا ودوليا مساندا، اكتملت أسباب الصمود بالنسبة إلى النظام السوري، وقد حظي بحلفاء أوفياء، ربطوا مصيرهم بمصيره حتى الآن.


كاتب فلسطيني- سوري

8