لوحة تائهة لـ40 عاما مفتاح أعمال جديدة للفنان اللبناني محمد الرواس

معرض محمد الرواس يكشف عن مواجهة مُحتدمة وحوار في ما بين خصائص أعماله التي أنتجها على مدار ما يفوق 35 سنة كرّس خلالها حياته للفن.
الأحد 2019/04/14
مجاورة الأساليب المختلفة في لوحة واحدة

“أعمال حديثة” هو عنوان المعرض الجديد للفنان اللبناني محمد الرواس، الذي افتتح قبل أيام في صالة “صالح بركات” ببيروت. يعود إلينا الرواس المشهور بلغته الفنية المبنية من وسائد متعددة بلوحات يواصل معها التأكيد على فرادة تجربته. زائر المعرض يكتشف مواجهة مُحتدمة وحوارا في ما بين خصائص أعماله التي أنتجها على مدار ما يفوق 35 سنة كرّس خلالها حياته للفن.

الظروف الحاضنة التي انبثق عنها هذا المعرض ليست عادية البتة وقد تلقّفها مدير وصاحب الصالة صالح بركات بعين راصدة لا يفوتها تفصيل متوقّد.

بدأ الأمر حينما عثر محمد الرواس على “شعلة” المعرض، إذا صح التعبير: لوحة له مفقودة منذ 40 سنة كانت مشروع تخرجه من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية في بدايات الحرب الأهلية اللبنانية. اعتقد الرواس أنها وعلى مدى 40 سنة، قد فقدت أو أتلفت أثناء جولة من جولات القصف.

بعد العثور عليها بدأ بمشروع ترميمها بمساعدة “محترف فضول خلوف للترميم” حتى عادت إلى وضعها الأصلي أو شبه الأصلي الذي يظهر فيه  بشكل كبير تأثر الفنان الأولي بمرحلة التعبيرية التجريدية الأميركية.

بالطبع لم ينته الأمر هناك. وحدث كما يحدث في كل مرة نستعيد فيها عملا فنيا أو فكرة من جديد بعد فراق سنوات عديدة راكمنا فيها بكل فرح أو حسرة عددا من التجارب والاختبارات الحياتية العميقة، حدث أن يضع الفنان لوحته القديمة التي حملت اسم “قطار” تحت مجهره ومبضعه وأسلاكه المرمّمة لينتج لوحة ثانية منبثقة عنها أعطاها اسم “قطار2″.

حين يكون المرء فنانا لا تمرّ هكذا مفارقات، كالعثور على أولى اللوحات بعد 40 سنة في حال سبيلها دون أهمية مُزلزلة بطريقة أو بأخرى. وينطبق هذا تماما على الفنان محمد الرواس. وهو من الفنانين الذين يمارسون الفن كما يمارس الجراح عملياته بكل تخطيط وتركيز ذهني.

فمثلما الدماء بالنسبة للجراح ليست دماء بالمعنى الفلسفي والعاطفي للكلمة بل هي سائل أحمر مكوّن من عناصر طبيعية، كذلك على الأرجح بدت لوحة الرواس الأولى وثيقة تاريخية أمام نظرته الحاضرة الثاقبة التي تمرست على عزل الأشياء عن بعضها البعض وإعادة تركيبها على هوى مزاجها الذهني الذي لا يرحم أي تفصيل.

اثنتان من لوحات المعرض: كل عنصر يقع في الحيز الذي خطط له الفنان مسبقاً
اثنتان من لوحات المعرض: كل عنصر يقع في الحيز الذي خطط له الفنان مسبقاً

بتركيز جراح مُنكبّ على الآن والـ”هنا” وببرودة تستمر في إدهاشنا وتريد أن تظهر في أحيان كثيرة عكس ذلك، قدم الفنان لوحته الثانية، بل نسختة الثانية التي شكلت ترجمة ودراسة بصرية دقيقة لما كانت عليه الأولى، لاسيما في تقويضها وسوقها إلى النطق بلغته الفنية التي وصل إليها منذ أكثر من عشر سنوات والتي تتميز بـ”جهورية” لافتة وطغيان للعقل على العاطفة.

حرص صاحب الصالة أن يضع اللوحتين مقابلتين لبعضهما البعض وأن تحيط بهما اللوحات الأخرى التي تحتشد فيها حتى التخمة عناصر لوحاته السابقة التي تكاد لا تعدّ ولا تحصى والمُستمدة من تاريخ الفن الكلاسيكي والحضارات القديمة، والعيش المعاصر.

قد يبدو للناظر إلى اللوحتين ومن ثم إلى اللوحات الأخرى “المُرافقة” لهاتين اللوحتين الأساسيتين أن محمد الرواس لم يترك أسلوبا ليدخل في الآخر. كل ما في الأمر أن ما كان غائما في ذهنه، أو قيد التكوين، قد شحذته خبراته الحياتية ليصبح مواقف من الحياة، من الأشكال، ومن البشر المحيطين به ومن المرأة بشكل خاص التي حرص الفنان على أن يصمم ويهندس كل ظهوراتها ونظراتها وتصرفاتها وهيئاتها بحسابية “مُقلقة”.

كل عنصر يقع في المكان الذي خططه له الفنان مُسبقا. لا وجود للمفاجآت غير السارة إلا القليل منها. لم يحمل “القطار” الثاني غير “البضاعة” التي حملها الأول. إنها الأفكار ذاتها والأشخاص ذاتهم وقد تعرضوا للتقويم. وما كان من صور مهيضة في أعمال الفنان الأولى أصبحت أكثر وضوحا في اللوحة الثانية وفي مجمل اللوحات الحاضرة في الصالة.

في هذا المعرض كما في المعارض السابقة لم تغادر المرأة/الشيء لوحاته. ظلت في لوحاته تحت حكم ترتيب الفنان لكيفية ظهورها خارجة للتو من فانتازيا ذكورية تريد أن تُظهرها عكس ذلك. أي تظهرها سيدة نفسها. تبقى المرأة التي تلعب دور الجريئة، سجينة نظرته إليها وهي في بداية شبابها، لا قبله ولا بعده.

اثنتان من لوحات المعرض: كل عنصر يقع في الحيز الذي خطط له الفنان مسبقاً
النقائق والمتشابهات، والاصل والشبيه في لغة اللوحة وموضوعها

هكذا يكون الفنان صادقا مع نفسه ومع مبدئه الراسخ عن ماهية المرأة وعن زمن أنوثتها الذي لا يتعدى بالنسبة له بضع سنوات حددها نزق ميزانه الخاص والمُقلق إلى أقصى حد.

توالدت اللوحات من بعضها البعض في عمليات قيصرية مُجهز لها سلفا تذكر أنه لا وجود للعاطفة في معادلة الفن بل حضور ذهني متصل مع ريشة/مبضع جراح له قلب من حديد وخيال مُشبع بثقافة معرفية هائلة استنبط منها أفكاره ليقولبها تشكيليا فترضخ إلى نظرته الفنية ببراعة قلّ نظيرها.

إلى جانب كل الأفكار التي تطرق إليها الفنان سابقا حضرت محاولة نابغة في مُساءلة بصرية عقدها الفنان حول فنه العابر للسنوات. كما عمد إلى مجاورة الأساليب المختلفة ضمن اللوحة الواحدة بجرأة وحنكة ساحر لا يخيفه تفكيك أدنى التفاصيل وبعثرتها ومن ثم إعادة إنشائها بظهورات جذابة تُتحف النظر وتقض مضاجع المشاعر المُلتبسة.

 كما برز أمر آخر لا يقل أهمية وهو قدرة الفنان على ترويض فكرة الزمن في لوحته. فما تتطلب منه سرعة في الأداء الفني بزاوية ما من اللوحة، تتطلب منه من ناحية أخرى، تدقيقا وصبرا في وضع اللمسات اللونية والخطوطية في أماكن أخرى من ذات اللوحة.

ويبقى التناغم سيد اللوحات مهما عجّت بالعناصر والأساليب المُتناقضة “عرفيا”.

المعرض بحدّ ذاته تجربة فنية فريدة. إذ هو ليس بمعرض استيعادي ولكنه حقق فرصة ثمينة تجاورت فيها أعمال الفنان السابقة، ومن ضمنها التخطيط الذي انطلق منه مشروع التخرج قبل 40 سنة مع أعماله الجديدة بصيغة جدلية وتفاعلية مكّنت الزائر من التنقل ما بين أزمنة فنية متعددة غير مُفككة بل متماسكة كليا على الرغم من الثورات التي نشأت داخلها وأطاحت ببعضها البعض في الأسلوب وذهنية التنفيذ.

تجربة فنية فريدة
تجربة فنية فريدة

 

14