لوحة جيولوجية شكلها الزمن في وادي سنور المصري

خبير جيولوجي يقول إن عمر كهف وادي سنور يرجع إلى 65 مليون سنة لكن تكويناته الداخلية تشكلت بالكامل منذ 40 مليون سنة.
الأربعاء 2019/07/31
الزيارات المكثفة تفسد المتحف الطبيعي

جذب كهف وادي سنور، في جنوب غرب مصر، الأنظار إليه أخيرا كمقصد سياحي لهواة المغامرة والمعنيين بالبيئة لامتلاكه مجموعة من الصخور المرمرية الملونة، والتي تتخذ أشكال الغابة الحجرية، وثبات درجة الحرارة داخله طوال العام رغم وجوده في منطقة صحراوية قاحلة.

بني سويف (مصر) – تراهن الحكومة المصرية حاليا للحصول على دعم من المؤسسات والهيئات الدولية المعنية بالآثار والطبيعة والثقافة، مثل منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي لصون الطبيعة، لتحويل هذه المنطقة إلى مزار سياحي جيولوجي وحمايته أو ضمه إلى التراث العالمي أسوة بمحمية وادي الريان بالفيوم.

دخل كهف وادي سنور، الذي يقع في محافظة بني سويف ويبعد عن القاهرة بحوالي 200 كيلومتر، على الأجندة التسويقية لشركات السياحة، بعدما زاد الطلب على زيارته، رغم الصعوبات التي تواجه الرحلة إلى مكان تنقطع فيه وسائل الاتصالات والخدمات الأساسية.

يقع الكهف تحت الأرض بعمق 15 مترا وبمساحة إجمالية تعادل 700 متر مربع مقسمة إلى غرفتين، واكتشف بالصدفة قبل 30 عاما في أثناء عمل إحدى شركات المحاجر في التنقيب عن الرخام، لكن ظلت زيارته قاصرة على الباحثين في مجال الجيولوجيا قبل أن يدخل دائرة الاهتمام السياحي.

تشترط إدارة محمية وادي سنور، التي يقع ضمن مهامها الكهف، ألا يزيد عدد زواره يوميا عن 20 فردا، فزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون المنبعثة من الزائرين داخله قد تضر بتكويناته الداخلية، ولدخوله يلج الزائر فتحة ضيقة شبيهة بالآبار، ويعتلي سلما تقليديا مصنوعا من الخشب والمعادن بطول 15 مترا.

ويضم تشكيلات من حجر الألباستر النادر (المرمر)، الذي استخدمه الفراعنة في صناعة أواني الزينة وتماثيل الأغنياء، وتتخذ مجسمات فريدة من نوعها شبيهة بالشعاب المرجانية والأعمدة الفرعونية والأشجار التي تجعل المكان شبيها بالغابة الجيولوجية الحجرية.

ويحتوي على مجموعة من الصخور المعلقة في السقف والصاعدة من الأرض الناجمة عن ترسيب جيولوجي، وتعكس جميعها أشعة الشمس ليصبح الكهف مضاء بألوان قوس قزح السبعة، ويتخذ طابعا قريبا من اللوحات الفنية الدافئة.

لوحات فنية رسمتها الطبيعة
لوحات فنية رسمتها الطبيعة

يبدو المكان مثاليا لهواة المغامرة، فالوصول إليه يتطلب السير في طريق ضيق غير ممهد بين الصخور لقرابة 30 كيلومترا تنقطع داخله شبكات الهاتف المحمول، ما يتطلب وجود مرشد من الأهالي على معرفة كاملة بتضاريس المنطقة.

يقول أحمد خالد، خلال زيارته لوادي سنور مرتديا ملابس تسلق وخوذة، إنه شعر بالاستغراب حينما وجد المكان لا يقل عن الكهوف التركية الشهيرة التي زارها مثل غلندير بمدينة مرسين، وكاراين في أنطاليا.

يفاجأ الكثير من الزائرين الذين يحضرون بملابس خفيفة إلى الكهف ببرودة داخله لا تتماشى مع وقوعه في بيئة صحراوية، وتشتد حيرتهم حينما يعرفون أن درجة الحرارة داخله ثابتة لا تتغير صيفا أو شتاء وتقف عند 24 درجة مئوية، في ظاهرة عجزوا عن تفسيرها علميا.

ويضيف خالد لـ”العرب” أن سياحة الكهوف فرصة لرؤية الطبيعة البكر التي لم تطولها يد الإنسان من خلال التدخل بالتشويه أو التلويث، والتمتع بدرجات صخورها اللونية التي تخلق نوعا من الراحة النفسية والهدوء الوجداني.

يرجع علماء الجيولوجيا عمر الكهف إلى العصر “الأيوسيني” قبل نحو 40 مليون سنة، ما يجعله مرتبطا برباط تاريخي مع محمية وادي الحيتان بمحافظة الفيوم المجاورة التي تم تصنيفها كمنطقة تراث عالمي، لما تحتويه من كنوز طبيعية وأثرية.

وأوضح أحمد رشاد الخبير الجيولوجي، لـ”العرب” أن عمر الكهف يرجع إلى 65 مليون سنة، لكن تكويناته الداخلية تشكلت بالكامل منذ 40 مليون سنة بعد جفاف المياه داخله المتسربة من الأمطار وتكوين فراغ ناتج عن ذوبان الحجر الجيري وتسرب المحاليل المحتبسة ببطء في شكل قطرات محملة بكربونات الكالسيوم المذابة لتكون تضاريس صواعد وهوابط متقابلة من سقف الكهف وقاعه.

مضاء بألوان قوس قزح السبعة
مضاء بألوان قوس قزح السبعة

ويتضمن محيط الكهف مجموعة من الأودية المميزة لهواة التمتع بجمال الطبيعة البكر، مثل وادي “أم عرقوب” الذي تقصده حيوانات ليلية كالذئاب الصحراوية وبعض الغزلان، وجبال صالحة لهواة التسلق، وسد أثري يرجع إلى عصر الرومان واستخدم في تخزين مياه السيول لصالح عمال المحاجر.

واجه وادي سنور تعتيما رسميا غريبا، ورفضت حكومات عديدة عروضا دولية بتطويره، ومنعت الأجهزة الأمنية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك إذاعة حلقتين أعدهما الدكتور مصطفى محمود، صاحب برنامج “العلم والإيمان” عنه لتسويقه داخليا وخارجيا، وصادرت الشرائط المصورة، وتمت مطالبته بعدم إثارة قصته أو التلميح إليها من قريب أو بعيد، حفاظا على حياة السياح، لأنه يقع في منطقة نائية.

اكتسب الكهف شهرة في الثمانينات بعد إعلان الرئيس الراحل أنور السادات لجوءه إلى محجر ملاصق له للهروب من المطاردة الأمنية في أعقاب اتهامه باغتيال أمين عثمان باشا وزير المالية المؤيد لبقاء الإنكليز بمصر قبل ثورة 23 يوليو 1952.

يفتح وادي سنور المجال أمام الزائرين ليتخيلوا كيفية تجمع شتات صخوره اللامعة ليروا كوخا شبيها بمساكن الهنود الحمر، وعائلات تجتمع في جلسة سمر، وأما تعتني بأبنائها وتداعبهم، ومتدبرا يشرد ببصره في السماء باحثا عن إجابات لتساؤلاته.

Thumbnail
Thumbnail
20