لوحة "غذاء على العشب" فن الصدمة وتغيير الذائقة الشعبية

الاثنين 2014/03/10
إدوار مانيه خلخل القيم الفنية السائدة

على الرغم من أن العُري، والمنحى الإيروسي، والصور المكشوفة التي سقطت عنها ورقة التوت قد عرفت طريقها إلى اللوحة والمنحوتة والعديد من الأجناس الفنية البصرية تحديدا إلاّ أن المتلقي الفرنسي أو الأوروبي لم يكن يتقبلها في الصالونات والمعارض الفنية الرصينة مثل صالون باريس.

حينما أتاح الإمبراطور نابوليون الثالث فرصة عرض الأعمال الفنية المرفوضة اكتشف العالم كله موهبة إدوار مانيه من خلال عمل فني واحد أسماه “غذاء على الأعشاب”، إضافة إلى مواهب أخرى من بينها جيمس ماكنيل ويسلر الذي عُرضت له لوحة “سمفونية البياض: فتاة بيضاء” وعدد كبير من الفنانين الذين رُفضت أعمالهم الفنية.

وبغية إيصال الفكرة التي نحن بصددها لا بدّ لنا من التوقف عند لوحة واحدة وهي “غذاء على الأعشاب” التي أثارت جدلا واسعا، حيث كتب عنها الصحفي أميل زولا، كما أثارت نقاشا معمّقا لدى مارسيل بروست في رواية “البحث عن الزمن الضائع″ إضافة إلى عشرات النقاد الذين توقفوا عند هذا العمل الفني المثير للجدل.

نُفذت لوحة “غذاء على الأعشاب” بالزيت على الكانفاس، وقد قيل في حينه أنها حققت أحلام العديد من الفنانين الفرنسيين من جهة كسرها للتابوه الجنسي أو الإيروسي على الأصح.


كسر الإيروس


إنّ منْ يتمعّن في هذه اللوحة سيكتشف أن الجانب الشهواني مغيّب فيها تماما على الرغم من هيمنة المرأة العارية، التي خرجت لتوّها من النهر، وجففت جسدها البضّ وجلست في حضرة الرجلين اللذين يرتديان كامل حُلتيهما الأنيقتين، فيما لا تزال امرأة أخرى تستحمّ في خلفية اللوحة، وهي مرتدية ثوبها التحتاني الشفاف، لكن الرجلين منهمكان في شيء آخر، بعيدا عن هذا العُري الأنثوي الصارخ، حيث لم يُكلّفا نفسيهما عناء النظر إلى هذين الجسدين الطافحين بالأنوثة والجمال. يا تُرى، هل أن المرأتين هما مجرّد شبحين في ذهني الرجلين ومخيلتيهما؟ ولماذا لم يلتفت أيّ منهما إلى هذا العري الباذخ الخارج من الماء توّا؟


نزهة تشكيلية


إنّ منْ يدقق النظر إلى السطح التصويري لهذه اللوحة سيكتشف أن فضاءها يكاد يكون معروفا لدى بعض الناس الذين يرتادون الحدائق والمتنزهات العامة بباريس. وربما تكون الصحافة قد ساهمت في حينه بتسليط الضوء على المشهد المكاني لهذه اللوحة المثيرة للجدل والمُستفزة للذائقة الفنية آنذاك. فالمكان على أيّ حال هو “بارك غابة بولونيا” الذي يقع غرب باريس وفيه بحيرة رومانسية جميلة يرتادها العشاق ومحبو التنزّه الذين يستمتعون بالاندماج مع الطبيعة والتوحّد معها.

إنّ موضوع اللوحة لا يتعدّى حدود النزهة في “البارك”، وتناول وجبة غداء على العشب كما يفصح العنوان، غير أنّ ما يهمّ المتلقي هو ثيمة العمل الصادمة التي خدشت الحياء من وجهة نظره، وأن التأويل العقلاني الذي يمكن أن نصل إليه هو أن الفنان مانيه لم يكن يفكّر في الثيمة أصلا، لأنها تأتي في المرتبة الثانية لديه، ولكنه كان يفكر في الشكل ويراهن عليه.

فالموضوع هو ليس أكثر من ذريعة بالنسبة إليه كي يرسم عملا فنيا، لكن المتلقي المأسور بالذخيرة الماضوية هو الذي ينهمك في موضوع العمل وربما يحيله، كما فعل البعض، إلى الفساد الأخلاقي الذي يمارسه بعض الناس الذين يتردّدون على هذا المكان.

إن ما يبتغيه مانيه هو النظر إلى الفضاء العام للمنظر بما يتضمّنه من فيغرات وأشجار وأوراق مرسومة بطريقة فنية انطباعية، تجاوزت حدود المنحى الواقعي الذي كان معروفا في مراحله الفنية المبكرة.

إن هذا العمل على وجه التحديد هو الذي رسّخ اسم مانيه في المشهد التشكيلي الأوروبي، وفتح له أبواب الشهرة والذيوع نتيجة لجرأته اللامحدودة، وقدرته الفذة على خلخلة القيم الفنية السائدة آنذاك. بقي أن نقول إن مانيه نفسه لا يجد حرجا في القول أنه رسم هذه اللوحة الجريئة في حينه، بعد أن شاهد مجموعة أعمال فنية تقارب الموضوع ذاته من بينها لوحة “العاصفة” لجيورجيوني و”الكونشيرتو الرعوية” لتيتان.

16