لوحة فابريسيوس بين رفّ الكتب

الأحد 2014/09/14
رواية دونا تارت تحتل موقعا هاما في قائمة الكتاب الأميركان

منذ نجاح رواية “شيفرة دافنشي” لدان براون، ظهرت أعمال كثيرة جعلت من المتاحف ساحة لأحداثها، ومن الأعمال الفنية ثيمة رئيسية أو محركا للأحداث. من هذه الأعمال رواية الأميركية دونا تارت التي تحتل موقعا هاما في قائمة الكتاب الأميركان، رغم أنها مقلّة، لم تنشر غير روايتين، فقد صدرت لها مؤخرا رواية بعنوان “الحسّون” عن لوحة كان رسمها الهولندي كاريل فابريسيوس عام 1654، وانتشلها بأعجوبة من انفجار هزّ متحف متروبوليتان بنيويورك حيث كانت معروضة، ولد يدعى تيو ديكر، وظل ينقلها من مكان إلى آخر في غرب الولايات المتحدة، حتى أعيدت إلى وكرها بأمستردام. واللوحة هنا مناسبة للحديث عن عالم الفنون التشكيلية وما يحويه من تجار ونقاد ومؤرخين ومتخصصين في فن العرض وخصوصا من مزورين يستغلون طاقتهم في التدليس طمعا في الثروة.


◄ لوحة غويا


ومن الأعمال التي جعلت من المتاحف ساحة لأحداثها نجد رواية “صمت زحل” للفرنسية إيزابيل ميموني، تدور أحداثها في بيت رجل من هواة الفن أثرى من خلال الاتجار بالأدوية، كان يملك غاليري داخل بيته تضم أعمالا فنية متنوعة، من بينها لوحة رسمها سلفادور مارتينيز كوبلس هي نسخة من “زحل يلتهم أبناءه”، إحدى لوحات فرنسيسكو غويا السوداء المحفوظة في متحف برادو بمدريد. وتستغل الكاتبة تلك اللوحة خلفية للإيحاء بما حاق ببعض شخوص الرواية، حيث يلقى ثلاثة أشخاص حتفهم، ضحية عمليات نسجت خيوطها أياد خفية، والتوسع في تفصيل تلك القائمة المختلطة من اللوحات التي يملكها ذلك الرجل، وتحليل أبعادها ومراميها في لغة شاعرية جذابة، واستكشاف علاقته بأسرة غريبة مشتتة، توحي كل الدلائل أن أفرادها يقفون خلف عمليات القتل التي وقعت.


◄ سير الفنانين


الرواية الرابعة لفيليب غييُو وهي بعنوان “أعوام الجُزر” تأخذ القارئ إلى جزر آران بمقاطعة بريطانيا الفرنسية، حيث يرين الصمت والضباب. هناك انسحب أحد الرسامين عقب أحداث مايو 1968، وراح يرسم بورتريه عن جورج بومبيدو، رغم أنه كان يعترض على مشاريعه المعمارية التي ستغير وجه العاصمة، ويستحضر الساعات الأخيرة لأسواق سرة باريس Les Halles التي ستتحول إلى مركز ثقافي (فوق الأرض) ومركز تجاري (في جوفها)، ويشيد بدور أحد الكتاب في التصدي لذلك المشروع (لعله إيفان كريست أو أندري فرميجييه)، وصاحبة غاليري من اليسار الملتزم بقضايا الجماهير، (قد تكون كوليت ألندي أو مارسيلة لوبشانسكي). أما الرسام، بطل الرواية، فهو مزيج من رونيه دوفيلييه في لوحاته التجريدية، وزوران موسيش في فن البورتريه، ولويك لوغرميليك في menhir. كتابة أنيقة لتمجيد الفن التشكيلي.


◄ سرقة في عقر دار مونيه


الرواية الخامسة عنوانها “لغز في جيفرني” وهي لمؤرخ الفن أدريان غوتز، وفيها يمزج الخيال بالواقع ليحرك الأحداث حول شخصين حقيقيين هما مونيه وكليمنصو، حيث تتولى بينيلوبي المفتشة ومديرة المتحف بالتعاون مع واندري الصحافية البحث في جريمة قتل لها علاقة بإحدى لوحات مونيه اختفت من متحف جيفرني ثم ظهرت فجأة في سوق الفن. ومن خلال تنقلاتهما عبر مارموتان مونيه ومؤسسة كلود مونيه بجيفرني ومعهد والنشتاين، يستحضر الكاتب تاريخ تلك الأماكن وما حام حولها أو في فضائها من طرائف، مثل ذلك الصحفي الذي يدوّن نقده قبل زيارة المعارض حتى لا يتأثر بالأعمال المعروضة، فيبدي فيها رأيا ينكره لاحقا. ويكشف للقارئ في الوقت نفسه خفايا سير تلك المؤسسات، التي تقف خلف المعارض الفنية والمتاحف وروادها.

لوحات تبث أنفاس الحرية


◄ الرسم بالكلمات


الرواية الثالثة بعنوان “الرسامة بالألوان المائية” لبياتريس مازيني، بطلتها بيانكا رسامة شابة يدعوها شاعر غني من مقاطعة لمبارديا الإيطالية، لتقوم بجرد قائمة في نباتات ملكه الواسع، فتسرد من خلالها الكاتبة سيرة عائلة إيطالية زمن الهيمنة النمساوية، اضطرت إلى ترك أطفالها قبل أن يجتمع شملهم من جديد، وتصور بريشة الفنان أنواع الأعشاب والحشائش والنباتات التي تزين الملكية، وتنفرش حول البيت المهيب في تنسيق بديع من أحواض ومساحات مسيجة وأشجار متناظرة وزهور فريدة تسرّ الناظرين. وتصف في دقة مفروشات البيت وأثاثه وأنواع الخشب الذي صنع منه، معتنية بالتفاصيل على الطريقة البلزاكية. كل ذلك تستحضره الرسامة، لتبدع لوحات مائية فيها من الانطباعية قدر كبير، وتربط علاقة بإحدى الخدم لتبثها أنفاس الحرية.

◄ مبولة دوشامب


الرواية السادسة “حكاية المبولة التي فجرت الحرب” فهي أطرفها جميعا، وهي من تأليف لوران فليدر ودومنيك ليبرو. تنطلق أحداثها عقب فيضانات 1910 التي اجتاحت باريس، حيث بدأت الاستعدادات للمعرض العالمي الذي سيخصص عام 1915 لجنس جديد يحوم حول السلام بين الشعوب، ووجد المنظمون السند من صاحبة بيت دعارة ومن عملاقي الفن المعاصر غيوم أبولينير الذي تزعم الذات الساردة أنه انتحل أجمل قصائده “جسر ميرابو” من شخص يدعى مارجولين ليفيتان، ومارسيل دوشامب الذي يدّعي السارد أنه ليس هو الذي جاء بفكرة عرض “مبولة”، بل كان ذلك من وحي صاحب مصنع ألماني كان يرغب في التخلص من البضائع التي لم يستطع بيعها. والخلاصة أن سوء الفهم هذا هو السبب الرئيس في اندلاع الحرب بين فرنسا وألمانيا، وانتشارها بين الأجوار.

12