لوحة فرنسية اسمها "تونس" وخطوط تتشابك وتزحف مثل الثعابين

الفنان الفرنسي كلود ميديافيلا يشارك في فعاليات أيام الفنون والحوار بين الثقافات بمدينة الحمامات التونسية وينجز لوحة بعنوان "تونس".
الأربعاء 2018/05/09
خطوط فرنسية بروح شرقية

على مدى الأيام الأربعة التي أمضاها بمدينة الحمامات التونسية مشاركا في فعاليات أيام الفنون والحوار بين الثقافات، لم يكف الفنان الفرنسي كلود ميديافيلا عن العمل. واللوحة الأولى التي أنجزها كانت بعنوان “تونس”. وهي بألوان جذع نخلة يتيمة على الشاطئ بدت له عاكسة لألوان تونس وهي بين الشتاء والربيع.

ويعتبر كلود ميديافيلا من أهم وأشهر الفنانين الفرنسيين راهنا. ولوحاته المستوحاة من الخط اليوناني واللاتيني والعبري والصيني، تجوب العالم، وتعرض في العواصم الكبيرة، وعنها يكتب كبار النقاد.

وكان كلود ميديافيلا المولود عام 1948 قد درس الفنون في مدينة تولوز في البداية، ثم في باريس. وعند تخرجه قام برحلات إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإلى إيطاليا وألمانيا وهولندا واليابان ليعمق تجربته الفنية، وليتعلم لغات عدة ساعدته على الاقتراب أكثر من الثقافات الأخرى، وتلمس خفاياها وألغازها، وطقوسها السحرية.

وفي السبعينات من القرن الماضي تعرف على حسن المسعودي، الفنان العراقي الذي كان يقيم آنذاك في باريس لينجز بتأثير منه لوحات تجسد الخط العربي انطلاقا من نسخ قديمة من القرآن شاهدها في المغرب خلال زياراته المتلاحقة له. كما أقام معه معرضا للخط العربي في مركز جورج بومبيدو. وفي الثمانينات من القرن الماضي، أصدر كتابا ضخما عن فن الخط في العديد من اللغات والثقافات. وقد صدر هذا الكتاب الرفيع في ترجمة إنكليزية بمقدمة من فنان الخط الشهير دونالد جاكسون الذي يعمل مستشارا فنيا لدى ملكة بريطانيا.

ومنذ سنوات الشباب حتى هذه الساعة لم ينقطع ميديافيلا عن قراءة الشعر. وهو معجب بالخصوص بغوته وبهولدرلين وبرني شار وأبولينير وإيلوار وكافافي. كما أنه معجب بروائيين تتميز أعمالهم بجوانب أسطورية وملحمية وشعرية. مع ذلك هو يعتقد أن الفنان لا يحتاج إلى مراجع شعرية أو أدبية أو فلسفية، بل عليه أن يبتكر عالمه الخاص الذي يعكس رؤيته الفنية والوجودية.

الفنان الفرنسي كلود ميديافيلا تأثر بكبار الشعراء والروائيين كما طور تجربته إثر اطلاعه على جماليات الخط العربي

يقول كلود ميديافيلا إن الفنانين الذين أثروا فيه أكثر من غيرهم هم أولائك الذين اهتموا بالضوء في لوحاتهم مثل رامبدراندت وكارافاجيو وفيرمير وماتيس وفان كوخ وفالسكيز. كما أنه شديد الإعجاب باللوحات التي رسمها غويا في السنوات الأخيرة من حياته، والتي يهيمن عليها اللون الأسود، رمز الفناء والموت.

ويضيف ميديافيلا قائلا إن جل لوحاته تعكس ما قاله الألماني غوته ذات مرة “إن باستطاعة كل واحد أن يدرك ظواهر الأشياء، إلا أن المطّلع والخبير هو وحده الذي يلتقط الجوهر. أما الشكل فيظل دائما لغزا بالنسبة للجميع”. كما أن ميديافيلا لا يحتاج إلى أدوات فنية كثيرة لإنجاز عمل فني ما. لذلك هو يميل إلى الفن الفقير. وحتى عندما يجد نفسه مجردا من أدوات فنية معينة، يبتكر من اللاشيء ما يوفر له إمكانية إنجاز ما يطمح إليه. وهذا ما كان يفعله بيكاسو الذي قال إن الفنان الذي لا يتمكن من العمل انطلاقا من أدوات بسيطة ومحدودة لا يمكن أن يكون فنانا حقيقيا. وهو جاء إلى تونس التي يزورها لأول مرة في حياته. ومنذ وصوله انشغل بالألوان. ورغم أنه لم يحمل معه الكثير من أدواته الفنية، فإنه اكتفى بالقليل منها لكي يرسم لوحة عن تونس.

ويرى النقاد أن ما يتميز به كلود ميديافيلا في مجمل أعماله هو تمكنه الفائق من الشكل، واتساع معجم أساليبه الفنية. ودائما يكون الجسد في هذه الأعمال قادرا على السيطرة على الانبثاق المادي والذهني. والهدف هو في النهاية محاولة التوفيق بين الرسم وفن الخط، وبين الرسم التجريدي وفن الخط. وهو يهتم باللحظة التي تسبق الكلمة مركزا على شحنتها العاطفية. والخطوط عند ميديافيلا تتشابك، وتتمدد، وتزحف مثل الثعابين. وقد تكون متقشفة، أو ملتفة ببعضها البعض التفافا حلزونيا، أو هي ملتهبة أو مزهرة. وكل هذا يحتاج إلى معرفة دقيقة وعميقة وواسعة بفن الخط. لذلك درس كلود ميديافيلا فن الخط في جميع تجلياته ليكون عاكسا لكل لغة ولكل ثقافة ينتمي إليها. وهو يقول ”عندما زرت المغرب كنت أكتفي بتأمل النقوش والحروف في القرآن وفي المخطوطات القديمة لكي أجد نفسي مدركا لروح اللغة العربية. وتلك الحروف بدت لي مفعمة بحيوية عجيبة. فكما لو أن كل واحد من الحروف يخاطبني ”.

15