لودريان في الجزائر تمهيدا لزيارة ماكرون

تلقي الملفات الدبلوماسية الإقليمية والدولية بظلالها على زيارة وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان، للإشراف مناصفة مع نظيره الجزائري عبدالقادر مساهل، على أشغال اللجنة العليا المشتركة، والحوار الاستراتيجي بين الطرفين حول مسائل مهمة تتعلق بتحضير الزيارة المتأخرة للرئيس إيمانويل ماكرون للجزائر، والتشاور حول الملفات المشتركة، والوضع في ليبيا ومالي والساحل الصحراوي، والخليج العربي.
الاثنين 2017/11/13
مجاملات لا تخفي التوتر

الجزائر - حل الأحد وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان رفقة وفد رفيع المستوى بالجزائر، للإشراف على أشغال اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، والحوار الاستراتيجي بين البلدين، والتحضير لزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فضلا عن ملفات تعاون اقتصادي وتكنولوجي.

وتعرف علاقات البلدين رغم التقارب المسجل بينهما منذ مطلع الألفية، نوعا من التذبذب الناجم عن خلافات جوهرية.

وتتجلى تلك الخلافات في تردد سلطات الإليزيه في حسم ملف التاريخ والذاكرة، بتقديم اعتراف واعتذار رسمي، كما فعلته مع بعض المستعمرات القديمة في القارة السمراء، فضلا عن محاولات باريس خلال الأشهر الأخيرة تحييد الدور الجزائري في الملفات الإقليمية، خاصة في مالي والساحل الصحراوي.

وتعول دوائر معتدلة في قصري المرادية والإليزيه على إيمانويل ماكرون لتذليل العقبات المترسبة بين الطرفين، خاصة بعد الليونة التي أبداها خلال زيارته للجزائر قبل انتخابه رئيسا لفرنسا، تجاه ملف التاريخ والذاكرة الجماعية.

وأدان ماكرون حينئذ السلوك الاستعماري، والجرائم الوحشية التي عانت منها الشعوب، جراء السياسات الاستعمارية.

وأدى الوضع الصحي للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة مفعولا عكسيا على نوايا ماكرون في تذليل المعوقات بعدما اعتذر منذ أشهر عن استقباله مما أدى إلى تأجيل الزيارة عدة أشهر، شهدت فيها علاقات البلدين تذبذبا، بعد إبراز سلطات الإليزي نوايا في تحييد الدور الجزائري في المنطقة.

الأوضاع الإقليمية المتوترة من الملفات الثقيلة المنتظر التطرق إليها خلال الحوار الاستراتيجي بين باريس والجزائر

وكان إيمانويل ماكرون أعرب مرارا لنظيره الجزائري عبدالقادر مساهل عن استعداده لفتح صفحة جديدة بين البلدين تقوم على التعاون المشترك، وتطوير التشاور بينهما في مختلف الملفات والاهتمامات المشتركة.

وأعرب للرئيس بوتفليقة في رسالة بمناسبة ذكرى الاستقلال الوطني في الخامس من يوليو الماضي، عن “استعداده لزيارة الجزائر متى سمحت ظروفكم بذلك”.

وكان وزير المجاهدين (قدماء المحاربين) طيب زيتوني، صرح في وقت سابق بأن المفاوضات مستمرة بين الحكومتين حول استرجاع الجزائر لجماجم رواد المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، والمتواجدة في متحف “الإنسان” بباريس، فضلا عن ممتلكات وأرشيف تاريخي آخر.

لكنه ألمح إلى صعوبات في المهمة بسبب تردد الفرنسيين في التعاون مع الجزائريين، مما يوحي بالتعقيدات التي يمثلها ملف التاريخ والذاكرة الجماعية في العلاقات الحساسة بين البلدين.

وتمثل الأوضاع الإقليمية المتوترة في المنطقة أبرز الملفات الثقيلة المنتظر التطرق إليها في ما يعرف بـ”الحوار الاستراتيجي” بين باريس والجزائر، خاصة في ظل تضارب مواقف البلدين، في كل من مالي والساحل الصحراوي وليبيا، بعد بروز نوايا فرنسية لتحييد الدور الجزائري في المنطقة.

وتتهم فرنسا بالتشويش على اتفاق السلام في باماكو الذي رعته الجزائر، وإنشاء قوة أفريقية لمحاربة الإرهاب في الساحل، وترددها في الامتثال للمذكرة الأممية، القاضية بتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وتجريم منح الفدى للجماعات الإرهابية لإطلاق سراح الرهائن.

وقال بيان للسفارة الفرنسية في الجزائر، اطلعت عليه “العرب”، إن “وزير الخارجية جون إيف لودريان سيتناول مع نظيره الجزائري عبدالقادر مساهل المسائل السياسية والأمنية، وسيبحثان التحديات الكبرى الجهوية والدولية التي يجب على الجزائر وفرنسا مواجهتها خاصة الوضع في ليبيا والساحل، وأيضا مكافحة الإرهاب”.

ويرى محللون سياسيون أن الطابع غير الملزم وغير الرسمي للحوار الاستراتيجي، الذي يتضمن استعراض أفكار ومواقف القيادات السياسية في قصري الإليزيه والمرادية دون حصول اتفاق، يحول دون التوصل إلى حل للأزمات العاصفة بالمنطقة، خاصة في مالي وليبيا. وترفض الجزائر أي تدخل عسكري أجنبي في ليبيا وتحض على حل ليبي ليبي يجمع بين كل الأطراف، وهو ما يتعارض مع توجه فرنسا التي تنشر قوات تساند الجيش الليبي.

ويرى مراقبون أن التعاون الاقتصادي سيكون إحدى آليات تعديل علاقات التعاون بين البلدين، لا سيما مع التوقيع على اتفاق لإنشاء مصنع سيارات لعلامة “بيجو” الفرنسية في مدينة وهران (450 كلم غربي العاصمة)، بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة بين الطرفين.

ومن المنتظر أن تكون الشراكة الاقتصادية والصناعية الجزائرية الفرنسية، على أجندة كبار مسؤولي البلدين، وخبراء اللجنة العليا المشتركة، خاصة مع تراجع المصالح الفرنسية في الجزائر، بسبب المنافسة الصينية والتركية القوية، والتي تحاول من خلال إبرام عقود جديدة استعادة نفوذها في أكبر البلدان الأفريقية مساحة.

وتذكر إحصائيات رسمية أن المبادلات التجارية بين الجزائر وفرنسا تبلغ سقف الثمانية مليارات دولار، مما يعكس حجم وثقل الشراكة بين البلدين، ويجعل باريس من أكبر شركاء الجزائر في الميادين الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

4