لوركا وبلدوزر الاستبداد

الجمعة 2016/09/23

كانت تحفة لوركا المسرحية “بيت برنارد ألبا”، ولا تزال، الأقرب إلى نفوس المخرجين من نصوصه الأخرى. كتبها قبل بضعة أشهر على إعدامه برصاص فاشيست الدكتاتور فرانكو، في العام 1936 الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية الأسبانية.

تقدّم المسرحية نموذجا للمجتمعات التي تنغلق على نفسها بذريعة المحافظة على التقاليد والأعراف الاجتماعية، من خلال عائلة تتكون من النساء فقط، محرومات من حريتهن، معزولات خلف قضبان نوافذهن، مثل السجينات تماما، ولا يتمتعن بأيّ حق من حقوقهن النسائية والمدنية، حيث تحكمهن والدتهن الصارمة والمستبدة التي تهيمن على المنزل بقبضة من حديد، فارضة عليهن، بعد وفاة زوجها، الحداد ثمانية أعوام، يُحظر خلالها دخول أيّ رجل، محوّلة حياتهن إلى جحيم يومي، فليس ثمة مكان للضحك، وكل شيء يجب أن يُحكم إغلاقه: الأبواب، والشبابيك، والستائر يجب أن تُسدل، ولا مجال لتسرّب الضوء إلى المنزل.

في المسرح العربي يُعدّ المخرج المصري فتوح نشاطي أول من أخرجها للفرقة القومية في الستينات من القرن الماضي، ثم تلاه مخرجون آخرون، منهم العراقي سامي عبدالحميد عام 1979 لفرقة المسرح الفن الحديث. وقد شكّلت في حينها مغامرة جريئة، على المستويين الفني والدلالي، تميزت بشكل إخراجي جديد، وأداء تمثيلي متقن، وسينوغرافيا رمزية تمثلّت بتحويل البيت إلى قفص حديدي كبير وسط قاعة مسرح بغداد، دلالة على السجن، تتنازع داخله الشخصيات المكبوتة كحيوانات متوحشة. وبعد ثمانية عشر عاما على تلك التجربة أقدمت المخرجة العراقية عواطف نعيم على تعريق المسرحية وتكييفها وإخراجها، شاحنة إيّاها بهموم جوهرية كان يعيشها المجتمع العراقي في تسعينات القرن الماضي، في مقدمتها الخراب الذي آل إليه من جراء حربين مدمرتين، وحصار شامل طال كل صغيرة وكبيرة في نسيجه الاجتماعي.

في العام 2007 اقتبسها الكاتب الجزائري علال المحب، وأخرجها أحمد خودي لتعرض في مسرح ”محيي الدين باشطارزي”، أعقبه جواد الأسدي في إعادة كتابتها عام 2008 بعنوان “نساء السكسو.. فون”، وإخراجها لمسرحه الخاص (مسرح بابل) ببيروت، ناقلا أحداثها إلى بيت لبناني مسكون بالاحتقان والكراهية والنزاعات، بسبب الاستبداد أيضا، مع الإبقاء على الأسماء الأصلية للشخصيات، بعد اختزلها إلى خمس نساء فقط. وقد أزاح الأسدي من خلالها الغطاء عن الكثير من الأسئلة المطمورة، مثلما تزيح النسوة المرتبكات والممزقات ستارة النايلون الشفافة، ونفذ إلى أعماق شخصياتها، ممسكا بهواجسهن ورغباتهن وتناقضاتهن، وتفجيرها في بنى مشهدية (حركية وتشكيلية وإيمائية) مؤسلبة وساخنة، وحوارية عنيفة وصادمة، وألفاظ جارحة قد تخدش الحياء الاجتماعي في المسرح، وتنتهك السياق المألوف للتلقي الذي اعتاد عليه المتفرج، رغم أنها شائعة في الحياة اليومية.

تلت تلك التجربة تجارب إخراجية كثيرة للمسرحية في العديد من المسارح العربية، لكلّ من المخرجة اللبنانيّة لينا أبيض على خشبة الجامعة اللبنانية الأميركية عام 2009، وفرقة “الكعب العالي” المغربيّة على مسرح محمد الخامس في الرباط عام 2010، والمخرج الفلسطيني منير بكري على خشبة مسرح الميدان في مدينة حيفا عام 2012، وقد مثّل فيها محمد بكري شخصية الأم إلى جانب طالبات أكاديمية الفنون الأدائية، وكذلك المخرجة المصرية ريهام عبدالرازق في عرض بعنوان “حريم النار” عام 2012، وعلى خلاف العروض التي قدمتها المخرجة سابقا اهتمت هذه المرة بالتكوينات الجمالية المشوقة، فالصورة هي مصدر العمل، ومن خلالها تبني المشاهد التي تفضح تلك النسوة وعالمهن المهووس بالجنس، إضافة إلى المخرج القطري فهد الباكر، الذي شارك بها في مهرجان الدوحة المسرحي عام 2013.

وخلال العام الحالي أخرجها كل من المخرج الفلسطيني فتحي عبدالرحمن لمسرح جامعة بيرزيت، والمخرج الأردني حسين نافع، الذي قدمها ضمن فعاليات مهرجان جرش في تموز الماضي. كما اقتبست المسرحية المخرجة السينمائية الفلسطينية سهى عرّاف في فيلم أنتجته بعنوان “فيلا توما” يروي قصة عائلة فلسطينية مسيحية أرستقراطية تسكن في مدينة رام الله، في مقاربة لا تحمل قدرا كبيرا من الحرية في التعامل مع النص الأصلي، بل تكاد تنقله فقط إلى الشاشة. كما أنتجتها القناة المغربية الثانية في مسلسل تلفزيوني بعنوان “بنات للاّ منّانة”، عرضته في شهر رمضان عام 2012، وحظي بإقبال واسع. وهكذا، نافس لوركا، بنصه المسرحي الرائع هذا، شكسبير وبريخت، لأنه فضح واحدة من أخطر القضايا التي تعاني منها البشرية، وهي قضية الاستبداد أو كبت الحريات، على الصعيد الاجتماعي في مستواها الظاهر، وعلى الصعيد السياسي في مستواها الباطني أو التأويلي.

كاتب من العراق

14