"لوسي" الطاقة الاستثنائية للكائن تعرض على شاشة العقل

الاثنين 2015/03/09
رحلة مستقبلية في ثنايا العقل البشري

كشف العقل باستجلاء مداه هو هاجس دائم لدى الإنسان، الذي يبحث مثابرا في إمكانات هذه (الآلة العجيبة: الدماغ)، التي تريد لها الدراسات وعلوم المستقبل أن تستخدم إلى أقصاها؛ فالفرضية تقول إن هذا العقل لم يستخدم بنو البشر من قدراته إلاّ أقل من 10 بالمئة، وأن الحيوانات تستخدم بكل تأكيد أقل من ذلك، وكل ذلك إنما ينعكس على الذاكرة وعلى علاقات الإنسان بما حوله وبمدركاته وحواسه.

أسئلة وأسئلة كثيرة تحوم حول إمكانيات العقل البشري، وخلاصتها في الأخير، ماذا لو استخدم الإنسان 20 بالمئة أو 30 بالمئة أو 50 بالمئة أو أكثر من قدراته الإدراكية والعقلية؟

هذه القدرات الفائقة، التي أثارت الجدل من حولها في ظل علوم المستقبليات، سنقرأها قراءة سينمائية من خلال فيلم “لوسي” للمخرج الفرنسي ذائع الصيت لوك بيسون الذي عرفه الجمهور على نطاق واسع منذ الثمانينات كاتبا للسيناريو ومنتجا ومخرجا.

لوك بيسون يقدم اليوم فيلما جديدا، هو خليط بين أفلام الحركة والإثارة وبين الخيال العلمي، في مزج جذاب جعل الفيلم (إنتاج 2014) متفوقا بشكل لافت على صعيد الرواج التجاري، محققا أرباحا وصلت إلى قرابة 500 مليون دولار، مقابل 50 مليون دولار هي كل تكلفته.

“لوسي” (النجمة سكارليت جوهانسون) فتاة تعيش وتدرس في تايوان، تجد نفسها متورطة في ما لا شأن لها به، وهو نقلها كمية من مادة متطورة من المخدرات الصناعية المسماة (سي بي إتش 4)، ويتطور الأمر بعد مقابلة دامية مع رئيس العصابة جانغ (الممثل الكوري تشوي مين سيك) إلى قرار هذا الأخير أن يحشو تلك الشحنة من المخدر الأزرق في جوف لوسي وثلاثة آخرين.

تكون مهمة الرباعي نقل المخدر إلى بلد أوروبي، وستتجه لوسي إلى باريس، وخلال احتجازها وضربها المبرح، يتسرب المخدر إلى جسمها فيغير نظامها البيولوجي بالكامل، لتمتلك قدرة جسدية متطورة.

وعندما تدرك ما وقع لها، تتجه إلى أحد مستشفيات مدينة تايبيه (تايوان)، لإجراء عملية جراحية بغية استخراج الكيس الأزرق الذي يزن قرابة نصف كيلوغرام، ليخبرها الطبيب الجراح عن قصة هذه المادة، إذ أن الأم وهي حامل في أسبوعها السادس تنتج كمية ضئيلة جدا منها، لكنها بمثابة قنبلة ذرية بالنسبة للجنين في تكوين الأعضاء والعظام.

الفيلم حقق أرباحا وصلت إلى قرابة 500 مليون دولار، مقابل 50 مليون دولار هي كل تكلفته

تخرج لوسي باتجاه زعيم العصابة وتقتل رجاله، وتتعرف من خلال قدراتها العقلية الخاصة وتواصلها الحسي مع عقله إلى معرفة أماكن وجود المهربين الثلاثة وإلى أيّ الدول يتجهون.

بموازاة ذلك يكون البروفيسور نورمان (الممثل مورغان فريمان)، مهتما بأبحاثه في القدرات العقلية الفائقة، حيث يلقي محاضرات في الجامعات الأميركية، حول ما إذا استطاع الإنسان أن يستخدم 20 بالمئة من قدراته العقلية فإنه سيتحكم في جسده، وإذا امتلك 40 بالمئة، فإنه سيتحكم في الآخرين من حوله، وأن هنالك 100 بليون خلية عصبية في جسم الإنسان لكن المستخدم منها فقط يمثل 15 بالمئة. تتمكن لوسي من التوصل إلى البروفيسور وتعرض عليه قصتها، وفي هذا الوقت تكون قد تواصلت مع أجهزة الشرطة الفرنسية، وتخبرهم بالدول التي يوجد فيها أولئك المهربون، وتشن حملة أوروبية للإمساك بهم في المطارات.

في المقابل يعود بنا المخرج بيسون إلى المطاردة بالسيارات وسط باريس، والتي تنتهي إلى مواجهة دامية مع عصابة مهرب المخدرات الذي سيلاحق لوسي، لتقع معركة دامية في أحد مراكز الأبحاث.

حينها ترى لوسي قدراتها الخارقة في مدى استخدام العقل بشكل تصاعدي من20 إلى 40 وصولا إلى 100 بالمئة، عندما تنتج نظاما معلوماتيا خارقا يتجاوز بآلاف المرات ما توصل إليه العقل البشري حتى الآن من أنظمة معلومات، في وقت تكون فيه قد أجهزت على عصابة السيد جانغ، إذ تستخدم قدراتها الخارقة في السيطرة عليهم.

يلجأ المخرج إلى معالجة ملفتة للنظر، فمع كل مرحلة من مراحل السرد الفيلمي وتصاعد الإثارة والصراع، يعرض في المقابل جانبا من محاضرات البروفيسور، وإلى طور من أطوار الحياة الحيوانية أو النباتية أو البحرية.

يقدم بيسون في هذا الفيلم خليطا ملفتا للنظر من قسمين يتحدث عنهما في المقابلات الصحافية التي أجريت معه، هما الحقائق العلمية والبحثية المتعلقة بدماغ الإنسان وتطوّره وقدراته المتاحة والكامنة والفائقة، ومن جهة أخرى مزجها بتلك الدراما المشوقة لعصابات المخدرات التي تتاجر بتلك المادة بالغة الخطورة والمفعول.

وينجح بيسون في صناعة فيلم مميّز سانده فيه مونتاج متقن على يد جوليان راي، ومؤثرات بصرية اضطلع بها صانعها الأنكليزي الشهير نيكولاس بروكس، فضلا عن موسيقى مميزة تألق فيها إيرك سيرا، إضافة إلى تألق سكارليت جوهانسون بشكل ملفت للنظر، وكانت الممثلة أنجلينا جولي هي المرشحة للدور، فضلا عن أنه واحد من أنجح أدوار الممثل مورغان فريمان.

16