لوعة جياكومتي

الاثنين 2015/05/25

تنتهي رواية “المحاكمة” لفرانس كافكا بعبارة “مثل كلب”، وهو ما صار علينا أن نفكر فيه كلما رأينا كلبا في الشارع. ومع ذلك فالكلاب كائنات مدللة، في العالم الغربي على الأقل، أما كانت كذلك في الحقبة التي عاش فيها كافكا في بدايات القرن العشرين؟

ليست لديّ معلومات، غير أنني كلما رأيت كلب النحات السويسري الذي عاش معظم حياته في باريس جياكومتي أتذكر كلب كافكا. لقد خلق جياكومتي كلبا من البرونز يشبه كائناته البشرية من جهة تقشفها وزهدها ونفورها ورفعتها وتعففها وعدم اكتراثها بما يقع من حولها.

لم يكن كلب جياكومتي في حقيقته كلبا طبيعيا، بل كان كائنا وهبته لوعة الشعور الإنساني بالأسى مسافة أعانته على التماهي بما لا يُرى من وجوده. كان ذلك الكلب حنونا، مزيجا مما نراه في الحياة اليومية ومما لا نرى. لن يكون من المفروض علينا أن نرى صورته في كل كلب نراه في الشارع؛ كان ذلك الكلب كلبا آخر.

هو الكلب الذي لم نره من قبل، وهو الكلب الذي يشبهنا ولا يشبه فصيلته من الكلاب. وقد لا يكون كلبا إلاّ في مظهره. أكان هذا ما فكر فيه كافكا وهو يكتب جملته “مثل كلب”؟

لا أعتقد أن كافكا في روايته العظيمة قد سمح لبطله البريء أن يموت مثل كلب عادي. كانت ميتته رمزية مثلما كانت حياة كلب جياكومتي رمزية هي الأخرى.

علينا أن نرى حياتنا وموتنا في مشهدين رمزيين، يجمع بينهما الأدب والفن؛ هناك حكاية عن كلب وهناك صورة لذلك الكلب، ما بينهما تقيم لوعتنا التي تختزل مصيرنا في اتجاهين.

فكلب كافكا كان الصورة الأخيرة لبطله، أما كلب جياكومتي فقد كان الصورة الأولى؛ سنكون هناك كما لم نكن من قبل. سيكون علينا أن نشبه أفكارنا وعواطفنا وميولنا الشخصية، أن نسمح لأرواحنا في التناسخ، فنكون كلابا، كما لو أننا نستعيد حلما لم يمرّ برؤوسنا من قبل.

كاتب من العراق

16