لولا الوهم لكانت الحياة جحيما!

لا شك ان الانتشار الهائل للمعلومات المظللة المرتبطة بالثقافة الرقمية، قد أحدث فجوة سحيقة في ذاكرتنا. فذاكرتنا التي نحيك حولها هويتنا وحاضرنا ومستقبلنا، أصبحت مليئة بالذكريات الوهمية.
الجمعة 2020/01/10
سفر مع الذكريات

“السفر ذهنيا عبر الزمن” فسحة ممتعة تسعفنا بها الذاكرة وقتما نشاء، فنعود إلى مراحل حافلة من طفولتنا وحياتنا، ونستذكر مواقف شيّقة من الماضي، وأحيانا نسترجعها بأدق تفاصيلها وكأننا نشاهد مقاطع فيديو.

حدثني أحد أقاربي الذي يعيش مغتربا في فرنسا منذ ثلاثة عقود عن حالته الغريبة مع الذكريات التي تجعله أحيانا يشعر بالانزعاج، فهو يتذكر أشخاصا من الماضي ويتواصل معهم في ذهنه في الحاضر، ولكنه فجأة يكتشف أن تلك الأحداث غير معقولة فيشعر بالاستياء لاعتقاده أنه يعاني من مرض عقلي، وهو لا يعلم أن ذلك الحنين الجارف للذكريات التي بقيت عالقة في عقله الباطن، هي السبب في تلك الأحداث التي تتحرك في أعماقه والمشاعر التي تجول في خاطره، ويبدو أن هذه التفاعلات الذاتية مع الذكريات قد تأثرت في مجملها برؤيته للحياة وحالته المزاجية ومعلوماته وحتى بحاضرة المغترب وعلاقته بالمجتمع الجديد وبالأشخاص الذين استرجعتهم ذاكرته والأمكنة التي عاش فيها.

تؤكد الأبحاث النفسية أن التعلق المبالغ فيه ببعض المواقف الحياتية الماضية، تجعل احتمالية ربطها بالحاضر كبيرة، فيصبح المزج بين زمنين وكأنه حقيقية حتى وإن لم يكن كذلك.

أستحضر هنا أيضا فقرة مهمة قالها الرسام الإسباني سلفادور دالي في مذكراته عن سنوات الطفولة الأولى التي يفترض بمعظم الناس، ألا يتذكروها على الإطلاق أو ربما يتذكرونها على نحو مبهم للغاية، وخصوصا تلك الفترة التي تسبق يوم مولدهم وحدثت وهم في أرحام أمهاتهم، والتي يقول عنها دالي “أجل أتذكر تلك الحقبة كما لو كانت بالأمس”!

رغم أن استرجاع هذه الحلقة الزمنية المفقودة لمرحلة ما قبل خروج الإنسان إلى الدنيا أمر مستحيل من الناحية العلمية، لكن “سوريالية” دالي جعلته يملأ فراغات الذاكرة من الأحداث الماضية باختلاق القصص والأحداث الحقيقية، ولكنهم يعتقدون أنها حقيقة والكثيرون مثله يفعلون الأمر نفسه.

يمكن أن نقول إننا جميعا عرضة لاختلاق الذكريات الوهمية لكن الاحتفاظ بذكريات حقيقية، قد يساعد على تشكيل حياتنا وتحديد أذواقنا ومخاوفنا وحتى سلوكياتنا، فللذاكرة الاسترجاعية الموصولة بالماضي الكثير من الجوانب الايجابية، إذ أنها تجعل المرء يتجاوز التجارب القاسية المرتبطة بالأمور السيئة والمزعجة التي حدثت له في الحاضر.

يقول الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي “حين تستبد كآبة ثقيلة بالنفس التي صارت من المحن في ظلام، تأتي الذكريات فتنعش النفس وتحييها، مثلها كمثل تلك القطرات من الندى التي تضعها رطوبة المساء على الأزهار بعد نهار خانق، فتبعث الحياة في هذه الأوراق الحزينة التي كادت تمحوها الشمس المحرقة”.

لكن بينما يشعر معظم الناس بالسعادة عند التنقل بالذهن عبر الزمن وسرد القصص المُفصلّة والدقيقة عن أشياء حدثت لهم في الماضي، بهدف الترفيه عن النفس، فإن البعض يصل به الحال إلى حد الإسهاب في التفكير في الماضي، أو الاستغراق في أحلام اليقظة والكلام المستمر مع نفسه بصوت عال، وقد يساهم ذلك في حياكة ذكريات واهمة.

قد يعزى ذلك إلى أن هؤلاء الأشخاص يطمحون على الدوام إلى حياة مثالية، مما يجعلهم يلجؤون إلى محاولة اختلاق قصص في أذهانهم، وهذه في الحقيقة استراتيجية نفسية من أجل التعايش مع الواقع.

يقول ألبرت أينشتاين “الذاكرة خادعة لأنها مصبوغة بأحداث اليوم”. وقد أصبحت أكثر انخداعا، لان عالم اليوم مليء بالأخبار الزائفة، ومن السهل تكوين ذكريات وهمية بالاعتماد على ما ينشر من أخبار كاذبة.

ولا شك ان الانتشار الهائل للمعلومات المظللة المرتبطة بالثقافة الرقمية، قد أحدث فجوة سحيقة في ذاكرتنا. فذاكرتنا التي نحيك حولها هويتنا وحاضرنا ومستقبلنا، أصبحت مليئة بالذكريات الوهمية.

21