لوم سياسي ولا إدانة لمبارك والمتهمين في "قضية القرن"

الأحد 2014/11/30
مبارك ظهر في جلسات محاكمته الأخيرة ممدا على سرير نقال

القاهرة - أسدلت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمود كامل الرشيدي الستار (السبت) عن القضية المعروفة إعلاميا بـ(قضية القرن)، وقد قضت ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ونجليه، علاء وجمال، ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من كبار معاونيه، إضافة إلى رجل الأعمال الهارب حسين سالم، في قضايا قتل المتظاهرين إبان ثورة 25 يناير، وتصدير الغاز إلى إسرائيل واستغلال النفوذ والتربح.

ووجه القاضي لوما سياسيا للرئيس المصري السابق حسني مبارك ونظامه خاصة في سنواته الأخيرة، قائلا إن “مبارك قضى قرابة 36 عاما في حكم مصر ما بين نائب للرئيس ثم رئيسا للجمهورية، فأصاب وأخطأ مثل أي بشر”.

رغم القضاء بعدم الإدانة، إلا أن هذا الحكم يظل غير نهائي، حيث بالإمكان إعادة المحاكمة برمتها حال طعن النيابة أو المتهمين على الحكم خلال 60 يوما. وبخلاف ذلك، أصبح أمام مبارك ونجليه، حاليا، قضية يقضون عقوبة الحبس على ذمتها، بينما يقضي العادلي فترات حبس في قضيتين، ولا يواجه مساعدي الأخير أي قضايا.

وظهر مبارك ونجليه والعادلي، أمس السبت، مرتدين البدلة الزرقاء المقررة في لائحة السجون المصرية لمن صدر بحقهم حكم بالإدانة، بينما ظهر مساعدو العادلي مرتدين ملابس مدنية؛ لأنهم غير متهمين على ذمة أي قضية.

وسيتسمر مبارك محبوسا على ذمة قضية “فساد مالي” معروفة إعلاميا بـ”القصور الرئاسية”، والتي حكم عليه فيها بثلاث سنوات. ووفقا للقانون المصري يحق لمبارك الطعن على هذا الحكم وطلب إعادة محاكمته مرة أخرى في القضية، وهو ما حدث بالفعل، وحددت محكمة النقض برئاسة القاضي حسام عبدالرحيم، رئيس مجلس القضاء الأعلى، جلسة 13 يناير المقبل؛ لنظر أولى جلسات الطعن المقدم منه.

أما حبيب العادلي، فلا يزل محبوسا على ذمة قضيتين متعلقتين بـ”الفساد المالي”، الأولى عرفت إعلاميا بـ”الكسب غير المشروع″، والتي ستنظر جلستها المقبلة في 18 ديسمبر القادم، والثانية عرفت بـ”اللوحات المعدنية”، والتي سيصدر فيها حكم يوم 29 من نفس الشهر.

وكانت القضية التي جاء حكمها في 1430 صفحة، كانت قد بدأت جلستها الأولى في مايو 2013، بعد إصدار الرئيس السابق محمد مرسي قرارا بإعادة المحاكمة التي قضت قبل ذلك بالمؤبد على مبارك والمتهمين.

وتعليقا على الحكم، يشير المستشار رفعت السعيد، الرئيس الأسبق لمحكمة جنايات القاهرة، إلى أن هذا الحكم لن يكون المحطة الأخيرة، حيث يسمح بالنقض على الحكم من قبل النيابة العامة، وأنه في حالة النقض في الحكم، تكون محكمة النقض المعنية بإصدار حكم نهائي لا رجعة فيه. وقد قام المستشار هشام بركات النائب العام المصري، فور النطق بالحكم بتكليف معاونيه بدراسته، وبحث مسألة الطعن عليه في أقرب فرصة، واتخاذ الإجراءات القانونية الخاصة بذلك.

وخارج قاعة المحكمة، وفي محيط أكاديمية الشرطة في منطقة التجمع الخامس، تباينت الآراء حيث رفع مؤيدو مبارك لافتات تحمل صوره وتعالت الزغاريد، بينما تعالت صرخات أهالي الشهداء الذين رفضوا الحكم مرددين هتافات تطالب بالقصاص، وداعية إلى عدم قبول الحكم.

علق الناشط السياسي جورج إسحاق على المحاكمة أن البراءة كانت متوقعة، فقد سبقتها عدة مؤشرات تفيد بتبرئة جميع المتهمين، رافضا التشكيك في أحكام القضاء


حكم منتظر


جاءت كلمات المستشار الرشيدي، التي سبقت التصريح بالحكم، مبشّرة بالبراءة، حيث كان رئيس المحكمة حاسما ونبّه جميع المتواجدين داخل قاعة المحكمة بعدم إبداء أيّ إيماءات أثناء النطق بالحكم، سواء بالقبول أو الرفض، مشيرا إلى أحقيته في حبس أي من مثيري البلبلة داخل القاعة لمدة عام.

وعلّق الناشط السياسي جورج إسحاق على المحاكمة قائلا لـ”العرب” إن البراءة كانت متوقعة، فقد سبقتها عدة مؤشرات تفيد بتبرئة جميع المتهمين، رافضا التشكيك في أحكام القضاء، لكنه تساءل عمّن قتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير؟ على الرغم من المشاهد التي تم عرضها على شاشات الفضائيات من دهس بسيارات الأمن المركزي والسيارات الدبلوماسية.

وأوضح إسحاق أنه تحدث مرارا وتكرارا عن ضرورة عقد محاكمة ثورة وعدم المماطلة لمدة ثلاث سنوات، حتى وصل الأمر إلى ما نحن عليه، وقال إن نظام مبارك مسؤول عن فساد دام لمدة 30 عاما من ظلم وتدني المستوى المعيشي والتعليمي والاجتماعي للمواطنين.

وتجنبا لإلقاء الاتهامات، طالب المستشار محمود الرشيدي وسائل الإعلام بالتروي قبل التحدث عن الحكم، وأمر بإعداد 240 صفحة على أقراص مدمجة (CD) وأكثر من ذاكرة إلكترونية (فلاش ميموري)، وتقديمها إلى وسائل الإعلام للاطلاع على أسباب وحيثيات الحكم، كما أدرجت هيئة المحكمة أسماء المتوفين والمصابين في جدولين، وتبين أن هناك 239 حالة وفاة، و1588 مصابا فقط، وفقا لأوراق القضية.

من قتل الثوار


طرحت أحكام البراءة مجموعة كبيرة من الأسئلة، أبرزها من قتل الثوار؟ وأعادت الجدل حول من هو الطرف الثالث، الذي مارس العنف والقتل؟ ومن صاحب المصلحة في إشعال الأوضاع آنذاك؟ وما الأثر السياسي للحكم على رجال نظام مبارك الذين يستعدون بقوة لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، ومدى قدرة جماعة الإخوان المصنفة من قبل الحكومة المصرية على قوائم التنظيمات الإرهابية؟

“العرب” تحدثت مع بعض الخبراء، والسياسيين، للبحث عن إجابات لهذه الأسئلة، فأكدوا على ضرورة فتح تحقيق شامل للبحث عن القاتل الحقيقي لثوار 25 يناير، واضعين احتمالات ارتكاب الجرائم عبر أجهزة مخابرات أجنبية، وعناصر تابعة لحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، كما قال عدد ممن أدلوا بشهاداتهم في جلسات سرية بالمحاكمة.

في هذا السياق، قال مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين المصريين الأسبق، في تصريحات خاصة لـ”العرب” إن “سؤال من قتل الثوار؟ ما زال لغزا كبيرا يحتاج إلى جهد كبير وتحقيقات موسعة لحلّه، لكن كلنا يذكر شهادة اللواء أركان حرب حسن الرويني، قائد المنطقة المركزية السابق عضو المجلس الأعلى للقوات، عن أحداث موقعة الجمل، والتي قال فيها إن عناصر مسلحة من الإخوان كانت تعتلي العمارات المحيطة، وإنه استدعى محمد البلتاجي، القيادي الإخواني، وأمره بإنزال أتباعه من على أسطح العمارات، وإلا سيتم ضربهم بالرصاص، فقام البلتاجي بإنزالهم.

الحكم لن يؤثر انتخابيا لصالح الإخوان أو الوطني فالشعب ثار ضدهما في 25 يناير و30 يونيو

وأضاف مكرم أن “هناك روايات أخرى وردت في شهادة اللواء الراحل عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة آنذاك، قال فيها إن “عناصر مسلحة من حركة حماس دخلت مصر عبر الأنفاق ونفذت عمليات اقتحام السجون، خاصة وادي النطرون لتهريب العناصر الخطرة بينها قيادات إخوانية، منهم محمد مرسي، إلى جانب مخططات أخرى، بينها تواجد لعناصر مخابرات عدد من الدول الأجنبية، بالميدان، وقد تكون هي من قتلت، لإشعال الأحداث وتحريض الشعب ضد مؤسسات الدولة، والجزم بمن قتل يحتاج إلى تحقيقات موسعة للوقوف على الطرف الثالث”.

ويتوقّع مكرم أن يستغلّ الإخوان غضب بعض الشباب وأسر ضحايا ومصابي ثورة 25 يناير، لكنه يعتقد أن ما بذله القاضي الرشيدي من جهد في بحث الدعوة وكتابة الحيثيات، يستحق النظر للحكم بعقلانية، وتفويت الفرصة على تلك الجماعة لأي استغلال سياسي للغاضبين.

من جانبه، طالب نبيل زكي، رئيس المكتب السياسي لحزب التجمع اليساري، في تصريحات لـ”العرب” بفتح تحقيق شامل حول أحداث الثورة، وما شهدته من أعمال قتل للثوار وتخريب لمنشآت، لتحديد هوية الطرف الثالث، مع الاستعانة بالشهادات الهامة، شريطة ألا تشغل التحقيقات المصريين عن المضي قدما في بناء الدولة الحديثة، وإنجاز المشروعات التنموية.

وحول الأثر السياسي لأحكام البراءة على كل من قيادات الحزب الوطني السابقين، الساعين للمنافسة في الانتخابات البرلمانية القادمة، وكذلك الإخوان، قال زكي: “إن الحزب الوطني عندما كان في السلطة، ويسيطر على الحكم، كان منبوذا من الشعب، فما بالنا بقياداته الآن بعد ثورتين، تحقق للشعب فيهما المزيد من الوعي السياسي”.

وعن الأثر السياسي للحكم على تنظيم الإخوان، قال زكي: “إن الإخوان كتنظيم مارس الإرهاب وثار الشعب ضده، انتهي إلى غير رجعة وخير دليل عزل الشعب لهم وفشل قدرتهم على الحشد أخيرا”.

5