لو أنك أبطأت

الاثنين 2017/05/22
وهب الرسم العراقي الشيء الكثير

الموت ليس ضروريا دائما، غير أنه يقع لتكون صدمته استثنائية فلا نصدق وقوعه وهو ما يسره إذ يتأكد حينها من خفته.

كان في إمكان سعدي عباس الذي عاد إلى موقع ولادته فلقب نفسه بالبابلي، نسبة إلى بابل، أن يستخف بالموت مثلما كان يستخف بالحياة.

لقد اعتبر الحياة صناعة أما الرسم فهو شيء آخر، شيء لا يمت للصناعة بصلة، لذلك ترك كل مهاراته في الرسم حين ذهب إلى الولايات المتحدة وصار يتعلم كما لو أنه يبدأ من جديد.

حين عاد إلى العراق كان رساما آخر، انقطع عن أصوله في الدرس الأكاديمي وصار رساما تجريديا، بدا واضحا أنه عثر هناك على أسلوبه الشخصي من خلال مؤثرات كانت مجهولة بالنسبة لنا وقد كنا نقيم في عزلة عن العالم.

لقد فاجأنا البابلي بانفتاحه على العالم وكان متسامحا في قبوله بالأساليب الفنية، وهو ما صنع منه معلم رسم في ظرف تاريخي غاب فيه المعلمون الكبار.

سعدي عباس الذي درس الرسم في تونس بعد بغداد عاد إلى مدينته محملا بحقائق جمالية حاول أن يضعها قيد التداول في محيط لم يكن قد لمس من الحرية إلا فوضاها، لذلك شعر بالإحباط وحين مات مؤخرا في بيروت، فأنا على يقين من أنه مات كمدا.

لقد عاد إلى العراق حالما بالحرية، فإذا به يجد البلاد كلها وقد تحولت إلى صخرة صماء ولم يكن في إمكان أدعيته التجريدية أن تشق طريقها إلى السماء.

“لقد جئت متأخرا”، يمكنه أن يقول لنفسه وهو الذي كان يعدنا في الحياة بوصوله المبكر، أما كان في إمكانه أن يصنع موتا أفضل مثلما كان يعد نفسه بحياة أفضل؟

لقد فقد العراق بموته حالما كبيرا لن يصدق أحد موته، هي واحدة من ضحكاته التي كان يسخر من خلالها من الحياة التي اخترقها مسرعا، لو أبطأ قليلا لكان قد وهب الرسم العراقي الشيء الكثير.

كاتب عراقي

16