لو كان لدى شكسبير تليفون

الأربعاء 2016/05/18

قبل أربعين سنة اختار صديقي الألماني مارتن موضوعا طريفا غريبا مبتكرا لنيل شهادة الدكتوراه في المسرح، وعلى ما أذكر كان موضوع البحث يتمحور حول السؤال الافتراضي “ماذا لو كان بمقدور شكسبير استعمال التليفون في مسرحياته!” ويومها أثار اهتمامي وفضولي موضوع الأطروحة المبتكر وأردت أن أعرف تفاصيلها الافتراضية وكيفية معالجة الموضوع، وكان صاحبي يروي لي في لقاءاتنا ما كان يتخيله من تغيرات في السرد والعلاقات التي كان من الممكن أن تجرى على الأحداث والمواقف لو أن شكسبير استطاع إدخال التليفون في البناء الدرامي لمسرحياته كعنصر إضافي للسرد الدرامي، أي لو كان الهاتف مستعملا في العصور التي كانت تجري فيها أحداث مسرحيات شكسبير…!

كان الباحث الألماني يريد أن يبرهن بأن وسائل الاتصال والتواصل بين البشر لها التأثير الأكبر في العلاقات الإنسانية. ولكي يبرهن على أطروحاته ونظرياته أجرى عددا من التجارب التطبيقية بإعادة كتابة بعض المشاهد من مسرحيات شكسبير مضيفا لها استعمال التليفون بين شخوصها، مما كان من الممكن أن يوفر الكثير من المفاجآت والتفاصيل والمفارقات، والملابسات، وأن تأخذ الأحداث مجرى آخر.

مثلا ألا يحتاج الملك لير للطواف على بناته وتحمل المشقات ليكشف عن الخلل في العائلة الواحدة، ولا أن يقع الأمير هاملت ضحية إجرام عمه فيعيش في حيرة وضياع في تردده في اتخاذ قرار الانتقام، وأن تتواصل جولييت عبر الهاتف مع روميو فلا يموت الحبيبان نتيجة قصور بالمعلومات، ولا تحدث كل تلك الملابسات في "عطيل" و"مكبث" و"تاجر البندقية" و"كوميديا الأخطاء" أو "ترويض الشرسة" وغيرها من المسرحيات الشكسبيرية الجادة أو الهزلية.

وبالرغم من أن كاتب تلك الأطروحة لم يكن يعرف غير الهاتف الثابت ذي الإمكانيات المحدودة، إلا أنه مع ذلك استطاع أن يبتكر عالما افتراضيا ممتعا وهو يدخل التليفون كعنصر سردي في مسرحيات شكسبير.

تذكرت تلك الأطروحة المبتكرة وأنا أشاهد الثلاثاء فيلما بوليسيا مثيرا، متقنا، محبوك السيناريو، لعب فيه الهاتف المحمول دورا أساسيا في بناء الاحداث وتشابكها، ولم يقتصر على كونه وسيلة للحديث بين شخصين أو لتبادل المعلومات شفاهة، بل أستطيع أن أزعم بأن الموبايل كان أحد أبرز أبطال الفيلم، فهو يوثق ويخزن وينسق ويتذكر ويكشف البراهين ويفضح الدوافع ويتابع الأحداث ويوضح العلاقات بينها.

وما كانت لأحداث ذلك الفيلم أن تجري كما جرت لولا الدور المحكم والمتقن الذي رسمه كاتب السيناريو للهاتف المحمول الذكي بحيث صار المتفرج ينتظر ما سيكشفه الهاتف من تفاصيل وأسرار تتحكم بسلوكيات وتصرفات شخوص الحكاية وطبيعة بنيتها الدرامية.

ليس هدفي هنا أن أتحدث عن تقنيات الاتصالات وإمكانيات الموبايل في التواصل بين البشر، فهذه أصبحت من البديهيات في أيامنا هذه، فلا نندهش من وجودها واستعمالاتها اليومية، بل نندهش عندما نفكر كيف كان البشر يعيشون ويدبرون أمور حياتهم اليومية من دون الهاتف وخصائصه.

ما يبهرنا الآن هو تلك الإضافات التقنية المدهشة التي تم "حشرها" في هذا الجهاز الصغير الذي تضعه في جيب قميصك أو بنطلونك، وقد انطوت في داخله أغلب ما تحتاج إليه من مراجع تستدعيها بضغطة مفتاح أو تخزنها في ذاكرته الواسعة، وتجري ما تشاء من اتصالات ومراسلات ورسوم، وحتى تحويلات مالية، أو حجوزات متنوعة، كما أغناك الموبايل عن حمل المئات من الوثائق والمراجع والصور والسجلات والكتب، ومؤخرا أعلنت شركة بريطانية أنها بصدد تصميم نظام يغني الإنسان عن حمل الباسبورت بجعله مندمجا داخل الموبايل!

الموبايل الذكي يتفجر ذكاؤه بذكاء مستخدمه، الإنسان المبدع الذي يبتكر لهذا الجهاز الصغير وظائف نافعة تبهر غيره من المستخدمين الذين لم يتوصلوا إلى تلك الابتكارات أو لم يكتشفوا ما بداخل هذا الجهاز السحري من أسرار للاستخدام.

إن الدور الدرامي المؤثر الذي تم إسناده إلى الموبايل في الفيلم الذي اتحدث عنه هو من ابتكار شخص مبدع قاده تفكيره إلى توظيف هذا الجهاز كعنصر فعال في السرد الدرامي، وبالتالي فإن الهاتف الذكي لا يبرز ذكاؤه من غير ذكاء مستخدمه: الإنسان!

كاتب عراقي

18