"لو ما التقينا".. أخطاء الآباء يتحملها الأبناء

المخرج إيلي رموز استطاع التعامل مع مسلسل "لو ما التقينا" باحترافية أضفت على العمل روحا من الإثارة والمتعة رغم بعض نواحي القصور التي شابت السرد الدرامي.
الخميس 2020/07/02
شخصيات مشوّهة ظلت رهينة ماض أليم

رجل أعمال يعاني من عقد نفسية تدفعه إلى الشكّ في النساء والتعامل معهنّ بعنف. غير أن فتاة واحدة استطاعت ترويضه والسيطرة على مشاعره لكنها لم تسلم هي الأخرى من شكوكه. هذه هي خلاصة المسلسل اللبناني “لو ما التقينا”.

تطالعنا أولى حلقات المسلسل اللبناني “لو ما التقينا” ببداية كاشفة لملامح علاقة شائكة ورومانسية في الآن نفسه تجمع بين هادي الذي يؤدي دوره يوسف الخال وزوجته ريما التي تؤدي دورها سارة أبي كنعان.

المشاهد الأولى من المسلسل تهيّئنا كذلك لما تخبئه لنا الأحداث من مفاجئات حين تُحيلنا بلقطات الفلاش باك إلى صورة قديمة لوالدة الزوج في شبابها، فندرك مدى تشابهها مع حبيبته.

هل كان الزوج هنا يبحث عن شبيهة لأمه وعثر عليها أخيرا؟ أم هي فرصة له للانتقام من هذه الصورة المشوّهة للأم التي رسّخها جده صاحب السلوك المهووس في ذهنه؟ يأسرنا المسلسل بتلك التساؤلات لنجد أنفسنا مدفوعين إلى متابعة أحداثه كي نضع أيدينا على حقيقة هذه التساؤلات وغيرها.

هي تركيبة درامية ناجحة من التشويق استطاع مخرج العمل التعامل معها باحترافية ما أضفى على العمل روحا من الإثارة والمُتعة، هذا رغم شُحّ الإنتاج وبعض نواحي القصور التي شابت السرد الدرامي.

بداية من المشاهد الأولى يمكننا أن ندرك أجواء الخلل النفسي التي تسيطر على الشخصيات ومجريات الأحداث، غير أن الإمعان في تصوير هذا الخلل بدا أحيانا زائدا عن الحد ومفتعلا كذلك في بعض الجوانب، خاصة في ما يتعلّق بشخصية الجد، والتي بدت دوافعها مُفتعلة ومغرقة في الشر من دون أسباب مُقنعة.

ومسلسل “لو ما التقينا” بطولة النجمين اللبنانيين سارة أبي كنعان ويوسف الخال، إلى جانب نخبة من الفنانين والفنانات اللبنانيات بينهم ختام اللحام ورندة كعدي وفيفيان أنطونيوس ونوال كامل ولارا الخوري وعصام الأشقر.

وتولى إخراج العمل المخرج الشاب إيلي رموز الذي لم يقدّم من قبل سوى مسلسل وحيد هو “لأنك حبيبي” وهذه هي التجربة الإخراجية الثانية له. أما التأليف فكان من نصيب الكاتبة ندى عماد فرحات، وهي المحاولة الأولى لها في الكتابة الدرامية.

أجواء الخلل النفسي تسيطر على الشخصيات ومجريات الأحداث
أجواء الخلل النفسي تسيطر على الشخصيات ومجريات الأحداث

ويمكن أن نقول إن العمل يعد بداية موفقه لمؤلفته وتجربة مميزة لمخرجه إيلي رموز تؤهله بالطبع لخوض تجارب درامية أخرى في المستقبل القريب. ومكمن النجاح هنا في قدرة المخرج على تجاوز شُحّ الإنتاج البادي في العديد من التفاصيل والخروج بعمل محترم شكلا ومضمونا.

ويسرد المسلسل منذ الحلقة الأولى كيف التقى بطلا العمل بمحض الصدفة، ليتزوجا سريعا، لنجد أنفسنا منغمسين في تفاصيل هذه العلاقة التي تبدو متوترة أحيانا بين الزوجين من ناحية وبين أسرتيهما من ناحية أخرى. ثم نتعرّف تباعا على أسباب السلوك العنيف لبطل العمل هادي مع النساء وعدم ثقته فيهنّ.

وذلك نتيجة اعتقاده أن والدته قد خانت أباه وتسبّبت في مصرعه، وهي الرواية التي ظل الجد يرسخها في ذهنه منذ صغره، ما جعله ينظر إلى جميع النساء بعين الشك والريبة دائما. تتوالى الأحداث فتصبح أكثر غموضا، خاصة حين تظهر الشابة ندى (نتاشا شوفاني) والتي تلاحق هادي عبر الهاتف، حتى أن الأمر يثير حفيظة الزوجة ريما (سارة أبي كنعان) فتساورها الظنون، غير أن ندى تسارع إلى كشف شخصيتها للزوجة، فنعرف أنها شقيقة زوجها، أما سبب قطيعته معها، فلأنها أنجبت طفلها خارج إطار الزواج.

وفي الأثناء تُحاول ريما التقريب بين زوجها وشقيقته، في الوقت الذي تتكشّف أمامها طبيعة وأسباب التركيبة المضطربة لزوجها.

استطاع يوسف الخال أن يؤدي دور الشخصية المضطربة باقتدار، فعلى الرغم من سلوكيات هادي التي تبدو عنيفة إلّا أنه يحمل أيضا جانبا رومانسيا، خاصة في تعامله مع زوجته ريما.

العمل يعد بداية موفقه لمؤلفته وتجربة مميزة لمخرجه إيلي رموز تؤهله بالطبع لخوض تجارب درامية أخرى في المستقبل القريب

هذه المُراوحة بين اللين والقسوة أكسبت الشخصية تميزها وفجّرت طاقة الأداء عند يوسف الخال الذي طالما حوصر في الأدوار الرومانسية فقط. أما سارة أبي كنعان فقد كان أداؤها هادئا طوال حلقات المسلسل من دون مبالغة، ما يتوافق مع شخصية ريما التي تتمتّع بالطيبة.

السياق العام للمسلسل يوحي في البداية أنه يتعرّض لمسألة المرض النفسي وتأثيراته على سلوك الأفراد، لكننا مع الوقت نجد أنفسنا محاصرين في جانب واحد من دوافع هذا الخلل النفسي، الذي تتم مناقشته من منطلق الخيانات الزوجية. ويتعرّض المسلسل لنماذج مختلفة من هذه العلاقات ومستويات متباينة لتأثيراتها على كيان الأسرة والتركيبة النفسية للأبناء.

مسارات درامية أخرى تتقاطع مع خط الأحداث الرئيسي، بداية من العلاقة المتوترة بين نورا (فيفيان أنطونيوس) وزوجها فادي (يوسف حداد) وتعاملهما الهادئ مع الأمر.

في المقابل، وعلى النقيض تماما تطالعنا شخصية الجد (عصام الأشقر) الذي يبدو موغلا في عنفه وغضبه إلى حد تسبّبه في قتل ابنه الوحيد، ثم إقدامه على قتل حفيدته، وانتقامه من زوجة ابنه طوال 25 عاما، وإخفاء حقيقة وجودها على قيد الحياة حتى على أبنائها.

هذه الملامح والسلوكيات غير الإنسانية للجد بدت مُفتقدة إلى الدافع والمبرّر، حتى مع اكتشافنا لطبيعة التربية القاسية التي تعرّض لها في طفولته ومعرفته بخيانة أمه لوالده.

وبعيدا عن ضعف المبررات التي بُنيت على أساسها شخصية الجد، فقد استطاع الفنان عصام الأشقر التعبير ببراعة تُحسب له عن هذه القسوة والشر.

16