ليالي ابن آوى

في عصرنا هذا قرّر ابن آوى الركون قليلاً خلف وجوه البشر. يراقب ما يجري، ريثما يُفني الإنسان الإنسان، بالحروب والأوبئة والاقتصادات والأيديولوجيا والكراهية والتمييز الطائفي.
الجمعة 2020/06/19
ابن آوى يعتقد أنه إنسان لكنه بجسم مختلف

تلك الليالي ليست مجرد اسم لفيلم سينمائي عُرض قبل سنوات بعيدة. فمن ذا الذي لم يصغِ في عمق الليل إلى تلك الأصوات الخافتة التي كانت تأتي من بعيد، من الحقول حيث تعبر قطعان ابن آوى مستغلة هجوم الفلاحين، باحثة عن أرض لا تنتهي تسبح فيها مخيلتها؟

ابن آوى يعتقد أنه أكثر من كلب صغير بأذنين كبيرتين. يرفض ذلك. فهو من سلالة أذكى من الكلاب العادية. طوّرت ذكاءها ليصل إلى حد المكر، السلاح السري الذي لا يشاركه إياه إلا ذلك الكائن الناطق؛ الإنسان.

لذلك يعتقد ابن آوى أنه إنسان، لكنه بجسم مختلف. ولذلك يتماهى عقله مع عقل البشر. ولهذا أيضًا ولد الإله المصري ”أنوبيس“ الذي يمسك بيده مفتاح الحياة في النقوش الفرعونية.

كان أنوبيس الابن الرابع لـ”رع“ وكان ذا مكانة كبيرة بين الجبابرة القدامى. وكل ذلك لأنه يملك حكمة ابن آوى. وكان يلعب دورا كبيرا في محكمة العالم الآخر.

في عصرنا هذا، قرّر ابن آوى الركون قليلاً خلف وجوه البشر. يراقب ما يجري، ريثما يُفني الإنسان الإنسان، بالحروب والأوبئة والاقتصادات والأيديولوجيا والكراهية والتمييز العنصري والطائفي.

لا دور ولا مكان لابن آوى في هذا كله. فمن سيضيّع وقته في مطاحنات فارغة؟ هو يبحث عن ذلك الفضاء مع بنات آوى في الركض إلى المجهول، غير عابئ بالتخلف الذي خيّم على الدنيا.

نموذج ابن آوى في عالم تكنولوجيا الاتصالات والعصر الرقمي، على سبيل المثال، هو بيل غيتس الذي يحمل معه ثمانية كتب في كيسه القماشي ليقرأ فيها يومياً، قليلاً من هذا وقليلاً من ذاك. موسّعًا نطاق اهتمامه بما حوله في العالم، ابتداء من المراحيض الذكية التي صمّمها وموّلها في المناطق الفقيرة في أوروبا ليقلّل من نسب الوفيات بين الأطفال ووصولاً إلى كون الإنترنت المفتوح الذي كان من أبرز المبشرين به، بعيدًا عن الضجيج، وقريبًا من التأثير الكبير.

بينما تعج مسارح السياسة والمجتمع المدني والثقافة وغيرها بالكائنات الأخرى التي لا تفهم لغة ابن آوى ولا تفكّر مثله.

ولا بأس من التذكير بأن من أسماء ابن آوى القديمة ”إمام الغربيين“ الذي يقودهم نحو جهة الغرب. لا يلاحق أفول الشمس، بل غروب الإنسان، ليدركه قبل أن يفقد ملامحه التي فتنت ابن آوى وجعلته يعيش عمره محاولاً التشبّه بذاك الناطق الذي يمشي على قائمتين. هذا ما يفعله ابن آوى كل ليلة.

24