ليالي رمضان القاهرة تحلو في صخب المقاهي الشعبية 

المصريون يفضلون قضاء السهرات الرمضانية في المقاهي الشعبية العريقة، بحثا عن البساطة والاستجمام مع كوب شاي أو نفس شيشة برائحة التبغ العبقة.
الخميس 2018/05/24
سهرة حتى موعد السحور

القاهرة - لم تعد المقاهي أماكن هامشية يقصدها عابرو الليل السهارى، بل أصبحت موقعا استراتيجيا يتزاحم عليه كل من يريد غسل هموم النهار وتصفية ذهنه المتعب من أفكار وحسابات لا تنتهي، يحدث هذا في رمضان القاهرة على نحو خاص، إذ تنافس المقاهي الشعبية القاعات المكيفة لفنادق الخمس نجوم، وترتادها جموع حاشدة من المصريين والعرب والأجانب تنشد البساطة والاستجمام، وتهرب من الأبواب المغلقة إلى الأجواء المفتوحة، وتلوذ بكوب من الشاي الأخضر أو نفس شيشة برائحة التبغ العبقة والصخب المنعش الذي يصبح هدفا في حد ذاته.

مقهى الفيشاوي، أحد المعالم الأساسية لسهرات حي الحسين التي تمتد حتى خيوط الفجر، حيث تتذوق الشاي الأخضر بخلطته السرية – على حد تعبير أحد الزبائن – ودائما كان أهم ما يميز الفيشاوي أثاثه ومراياه ذات البراويز العريقة، التي تستند إلى جدرانها المزينة بقطع الأرابيسك واللوحات والرسومات التاريخية، ومجموعة من القناديل والمصابيح الزيتية.

ومنذ أوائل القرن الماضي اكتسب المقهى شهرته كمجلس مفضل للمثقفين والفنانين، ونجيب محفوظ أشهر رواده من المثقفين إلى درجة أن أصحابه أطلقوا اسمه على حجرة الأرابيسك التي تقع في أحد أركانه، وكان محفوظ قد اعتاد الخلو يوميا إلى جوه الهادئ، حيث كان عمله بمكتبة الغوري القريبة من المقهى عندما كان يعمل في وزارة الأوقاف.

سجل الزيارات يصلح أن يكون حائط مجد خاصا بالمقهى، حيث يضم مجموعة من التوقيعات لعدد من كبار السياسيين والأدباء والفنانين من دول العالم. ومن بين الأسماء سارتر وسيمون دي بوفوار، والإمبراطورة أوجيني، والشيخ محمد عبده، وجمال الدین الأفغاني، وسعد زغلول، ومصطفی کامل، والموسيقار محمد عبدالوهاب، وأم كلثوم، وجمال عبدالناصر.. وغيرهم، وقد جمع أصحاب المقهى هذه التوقيعات ووضعوها في دفتر خاص، يخرجونه كلما زار المقهى أحد المشاهير ليتصفح المخطوط العتيق. أما مقهى ولي النعم، الذي يبدو موقعه القريب من مئذنة مسجد الحسين استراتيجيا في تلقي صوت القرآن والأذان، فيكثر فيه تجمع الناس، وقبل خمسين سنة كان أغلبهم من سكان ضواحي القاهرة وبعض الأقاليم يمكثون في ساعات بعد الإفطار في المقهى لا يقطعون جلستهم إلا مع أذان العشاء، لتأدية الصلاة، ثم التراويح، ويعودون بعدها إلى المقهى انتظارا للسحور وأذان الفجر.

مسامرات رمضانية
مسامرات رمضانية

الحاج جلال السمنودي، وهو واحد من رواد المقهى التاريخيين، مازال رغم تجاوز سنوات عمره الثمانين يحن إلى ذكريات ولي النعم الرمضانية، ويقول “هنا من جلستي في المقهى كنت أشاهد المسحراتي يمر بين الجالسين في هدوء يقطعه صوت الطبلة وبعض الأدعية وصوت امرأة من خلف المشربية تلقي بخمسة قروش فضة على الأرض يلتقطها المسحراتي ويردد الأدعية لها، وتطلب المزيد فيقص عليها قصة لا تتغير كثيرا كل ليلة عن ‘ضرتين’ ومشاجراتهما مع بعضهما وزوجهما، فتكون القصة تسليتهما حتى مطلع الفجر”.

أما مقهى “الحرية” فيعتمد في شهرته أساسا على موقعه الاستراتيجي في حي “باب اللوق”، حيث يرتدي في رمضان ثوبا مختلفا فيرتاده الكثير من الشباب والحرفيين الذين ينشدون سهرة في مكان مفتوح بمنطقة وسط البلد، ويجذبهم المقهى باتساعه وصخبه وماضيه الأرستقراطي الخاص.

والمقهى يحتل الدور الأرضي من عمارة مشيدة على الطراز الإنكليزي، وإلى اليوم لم تتغير ملامحه كثيرا باستثناء اختفاء صالتين للعب البلياردو في بداية السبعينات، حيث لم يقبل عليهما أحد وحلت مكانهما الكراسي والطاولات لتزداد مساحة المقهى.

وقد افتتح المقهى عام 1936 في قلب ميدان باب اللوق.

وطوال الأربعينات يتذكر أقدم عمال المقهى أن الإقبال كان كبيرا جدا من جانب الجنود الإنكليز، وخاصة في ساعات الليل وكانت الحامة الملحقة بالمقهى هي المكان المفضل لتجمعهم. وسر إقبالهم عليه يرجع لأسعاره الزهيدة، إضافة إلى سمعته المميزة من حيث جودة مشروباته ونظافتها ولطافة عماله.

أما مقهى ”الندوة الثقافية” فيروي مدحت جمال أحد رواده الدائمين جزءا من تاريخه بأنه في عام 1962 افتتح وظل تجمعا كبيرا لعدد من الكتاب والأدباء والصحافيين والفنانين، الذين استمر ارتباطهم بالمقهى إلى الآن، وهو ما دفع أصحابه لتسميته بـ“الندوة الثقافية”.

ويتكون المقهى من صالتين، كل مقاعده وطاولاته مصنوعة من الخشب، ومطلية منذ افتتاحه بلون بني محروق ويحرص القائمون عليه على تجديده باللون نفسه في كل عام، وما أن تدخل إليه حتى تشعر بدفء خاص، من خلال الوجوه التي يعلوها وقار قديم، ثم هدوء واضح لا يقطعه سوى صوت النرجيلة، وهي أهم ما يميز ذلك المقهى طوال تاريخه، وخاصة أنه لا يقدم سوى دخان التنباك فقط.

20