ليالي قطر الصعبة.. اللي حضر العفريت يصرفه؟

الجمعة 2017/05/26

أذكر قبل سنوات، أن صحافيا عربيا سأل رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم، عن تفسيره للمواقف السياسية المتناقضة لبلاده إزاء قضايا المنطقة التي تشبه من يلعب بالنار؟ ساعتها ابتسم الشيخ حمد وقال إن اللعب بالنار يكون ممتعا ومثيرا في أحيان كثيرة!

لم ينتبه أحد إلى أن وزير الخارجية القطري يرسي بهذه المقولة واحدا من أشد أشكال السلوك السياسي خطورة في عالمنا العربي التي تفاقمت تدريجيا لتصبح من أهم معالم السياسة القطرية التي تعبث بأعواد الثقاب في الكثير من البؤر المتوترة عربيا دون أن تدرك أنه قد يأتي يوم ويحترق ثوبها جراء ما اعتاد الأطفال اللهو به وقد حدث.

البيان الذي بثته وكالة الأنباء القطرية، ونقل تصريحات الأمير تميم بن حمد، كان بمثابة الإبرة التي ثقبت البالون المنتفخ، بغض النظر عن تضارب المسؤولين القطريين في استماتتهم للنفي أو إثبات حدوث اختراق في موقع الوكالة الرسمية، كمحاولة لتبرئة الذات الأميرية من سياسة تكسير الفخّار على رؤوس الجميع، خليجيا وإقليميا وحتى عالميا بانتقاده الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

غالبية المحللين الذين انخرطوا في الاصطفاف مع أو ضد البيان/الورطة تغافلوا عن الحقيقة الأهم، وهي أن كل ما جاء فيه لا يخرج عن مجمل التصورات الرسمية بشأن القضايا أو الأحداث الراهنة، بل تتسق تماما مع مسارات الرؤى القطرية المعلنة وغير المعلنة التي تحملها جيدا قناة الجزيرة والأذرع الإعلامية الأخرى المنتشرة في عواصم عديدة وبأسماء مصطنعة وعناوين شتى.

وإذا كنا عربيا تعوّدنا على أن النفي الإعلامي هو في الأغلب تأكيد وإثبات، إلا أننا أمام بالون اختبار جدِّي “فرقعته” الإدارة القطرية دون أن تحسب عواقبه وتحديدا من محيطها الخليجي الذي اتضح أنه التقط طرف الخيط ليلفّه حول عنق السياسة القطرية المتورّمة خارج حدود العقل، والتي سبّبت صداعا مزمنا في رأس مجلس التعاون الخليجي أولا قبل غيره وتحديدا منذ انقلاب 1995، رغم سياسات تبويس اللحى ظاهريا.

التبرير القطري، الجاهز مسبقا، بمزاعم الاختراق أو المؤامرة، تناسى دور التآمر الذي لعبته الأذرع الإعلامية القطرية وعلى رأسها “الجزيرة” في التلاعب بمصائر أوطان عربية، معتبرة ذلك من قبيل “الرأي والرأي الآخر” متجاهلة كل الأصوات الداعية للحفاظ على شعرة معاوية العربية، وعندما تعلق الأمر بقطر هذه المرة وجدنا الإعلام القطري يشكو من قنوات الفتنة والتحريض، دون أن يسأل نفسه ولمرة واحدة طيلة السنوات الماضية عن توصيف ما كان يفعل؟

بغض النظر عن صحة الاختراق من عدمه، إلا أن بيان جسّ النبض القطري جاء عقب أقل من 72 ساعة من قمم الرياض الثلاث، والذي بدا فيه تراجع قطر للخلف، وهذا ما لم تصدقه القيادة القطرية المتناقضة في سلوكياتها السياسية، فهي في سوريا تدعم “الثورة” والجماعات المسلحة، وفي نفس الوقت تدعم إيران اللاعب الرئيس مع روسيا في مواجهة هذه الثورة، فأيهما نصدّق؟

- تقف شكلا مع دول الخليج بمواجهة التهديدات الإيرانية، وفي نفس اللحظة التي يغادر فيها أمير قطر الرياض، يرسل برقية تهنئة للرئيس الإيراني المنتخب ويعلن أن استعداءها قرار غير حكيم!

- تؤيد وتموّل حركة حماس و“المقاومة” ضد إسرائيل، بل تعتبر الحركة الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وبالتوازي تتشدّق بالعلاقات الممتازة مع الكيان العبري.

- يقبّل أمير قطر رأس العاهل السعودي، ثمَّ يخرج باتهامات شديدة اللهجة للسعودية ويتهمها بأنها تؤسس للتشدد المذهبي ويلـمح لمسؤوليتها عن التطرف الفكري في العالم، بل يقول إنها تطمع في بلاده.

- يعتز بقاعدة العديد الأميركية، وينسى نفسه ويناطح الرئيس الأميركي ترامب.

- يتحدث عن مواجهة الإرهاب ونظامه يستضيف وينفق ويموّل ويرعى منظمات إرهابية يسبغ على قادتها الحماية والجنسية.

- يدعي عدم التدخل في الشؤون الداخلية بينما يتآمر لإسقاط أنظمة.

- يدعو مصر والإمارات والبحرين لعدم التدخل في بلاده، بينما يسمح لنفسه بالتهجّم على الجميع.

سواء كانت تصريحات أمير قطر ناجمة عن اختراق لوكالة الأنباء أم موقف رسمي، فإن العلاقات بين الدوحة والخارج ستكون أمام مشهد جديد، لن يبقى فيه إلا الكبار قيمة وإرثا وتاريخا وعمقا، أما الصغار فسيصرخون بعد أن احترقت أصابعهم بأعواد الكبريت التي ظلوا يستمتعون بمشاهد اشتعالها طويلا، وإلا إيه رأيك يا شيخ حمد بن جاسم؟

كاتب وصحافي مصري

8