ليانة بدر: لا أستطيع أن أكون غادة الكاميليا

الأحد 2013/11/17
صورة لليانة بدر بريشة جمال الجرّاح

أنت متهمة بالانشغال بالرواية والشعر والسينما والرسم وكتابة القصص. كيف تجدين انسجامك مع نفسك في وسط هذه المراوحة بين الأنواع الكتابية والفنية؟ إذن أنت مطالبة بالاعتراف.

قد تكون هذه تهمتي لأني خارجة عن الصورة النمطية المألوفة أو المعهودة للمتخصص في مجال أدبي أو فني ما. ربما اعتاد الناس هذا، ولكنني أحب أن أغرف من ينابيع الحياة الثرة، وألا أتوقف فلا يحجزني الجمود عندما أجد أنه علي تغيير وسيلتي التعبيرية التي تخلقها الحاجة المستجدة في زمان أو مكان متغيرين.

أقول هذا أنا التي سكنت عشرات البيوت في حياتي وعشت متجولة بين العديد من البلدان والأمكنة والمدن، كما حدث في الأوديسة. عدت بعد سنوات طوال إلى فلسطين ولم أكن أعرف شيئاً عن التغييرات التي حاقت بالمجتمع جراء الاحتلال الاستيطاني. لم تكن القدس هي القدس التي ولدت فيها، ولا رام الله أو أريحا هما المدينتان اللتان عرفتهما وأنا تلميذة قبلا. وكان علي أن أبني معرفتي قطعة فقطعة، ونقطة فنقطة في بعض الأحيان. عندها لجأت إلى السينما الوثائقية، فهي ثقب مفتاح نطل منه على الواقع ونبدأ في تفهمه واستيعابه.

هذا هو كل الموضوع. قمت بعمل سبعة أفلام وثائقية كتابة وإخراجاً، وحاز العديد منها على تقديرات وجوائز في مهرجانات دولية لأنها كشفت عن وجوه لا يعرفها الآخرون عنا. وكتبت سيناريوهات العديد من الأفلام الروائية والوثائقية أيضاً، ومنها فيلم "زواج رنا" الذي أخرجه هاني أبو أسعد 2002، وكان أول فيلم عربي يفتتح أسبوع "نظرة ما" في مهرجان "كان".

أما تعددية حقول الإبداع، فهذا لأنني أتيت من عائلة ناشطة سياسياً، احترفت النضال اليومي وعانت الملاحقة والتشرد والسجون، لكنها علمتنا كيف نعايش الحياة بكل ما فيها من جمال وغنى.

أبي الطبيب عبد الرحيم بدر وأمي المثقفة مديرة المدرسة جعلا من الفن والأدب عالماً ملوناً نعيش عبره حياتنا المتقشفة بعد أن عانينا الأمرين ومنه الفقر والجوع أحياناً في فترات الاعتقال السياسي الطويل لأبي.

أمي كانت تطرز وتغني وتصنع حلويات وترسم، وتقرأ روايات وتقوم بوظيفة مذيعة البرنامج العلمي الذي كان أبي يسجله أسبوعيا في الاذاعة. وأبي الطبيب كان يرسم لوحات زيتية ويكتب الشعر ويقوم بنشاطات فكرية متعددة. وهو من ألف الكتاب الأول في العالم العربي الذي شرح النظرية النسبية لأينشتاين "الكون الأحدب"، كما كتب وترجم أكثر من عشرين كتاباً في علم الفلك حاز بعضها على تقدير واسع.

فكيف أكتفي بأن أكون واحدة؟

قد تكون هذه تهمتي أنا التي لا أتماهى مع الصورة التقليدية لبعض الكتاب أو الكاتبات اللواتي يبنين مجدهن على رسم صورة لأنفسهن غالباً ما تكون مزيفة وبعيدة عن الواقع.

أنا لا أستطيع أن أكون "غادة الكاميليا".

ورغم أنني كائن خجول وحساس في مجال الإعلان عن الذات، فإنني أتجرأ على القول إن لي إنتاجاً غزيراً لم يهمني أبداً كم يستغرقني الزمن حتى أنجزه. أحياناً أقضي أكثر من سبع سنوات على كتابة رواية. أحياناً أستطيع إتمامها خلال عام واحد. وحتى الآن لدي أكثر من ثلاثة وعشرين كتاباً، ثمانية منها في مجال القصة والرواية، وكتابان نصوص شعرية، وكتابان في السيرة الأدبية لمحمود درويش وفدوى طوقان، وأحد عشر كتاباً للأطفال. ودائماً ما يكون بين يدي مشروع أو مشروعان قيد الإنجاز.

وصفتني غادة السمان يوماً عندما التقينا في بيروت بأنني فتاة "فلاحة" ما زلت أفكر وأعيش في أريحا، وربما هذا ما يجعلني أحس عميقاً بالشخصيات التي أمر بها، أو يشكل انتمائي الأول والطازج للعالم. ليس من خلال عيون الآخرين وميكروفوناتهم، بل من خلال هذا الحبك والنسج الذي لا تتوقف عنه الفراشة في داخلي. ألم يحدثنا محمود درويش عن "أثر الفراشة"؟

هو معلمي وأستاذي الذي نشر لي قصصاً حين كان لا يقبل النشر إلا للنخبة، وهو من شاهد أفلامي وشاركني اختيار عناوينها، وأعجب ببعض رسوماتي. قال لي إنني أتمتع بسلاسة للانتقال بينها طيلة اليوم، لكنه حذرني من ضياع الوقت في التنقل هنا وهناك دون أن أكمل إنجاز مشروعي الروائي لكتابة تاريخ فلسطين عبر عيون النساء.

وما أعترف به هو أن الوضع المتفجر في الثورات العربية ساهم في انصرافي عن تكريس الوقت اللازم للكتابة، ودفعني للالتحاق بعالم الشبكة العنكبوتية كي ألاحق ما يجري لحظة بلحظة مثل كثيرين غيري. منذ نهاية 2010 وجميعنا مقيد إلى التلفزيونات وإلى المواقع الإلكترونية لملاحقة ما يجري في مصر وتونس وليبيا والعراق واليمن. وكلما زادت المأساة التي تجري في سورية استفحالا، صار الوضع سوريالياً، وامتدت أيدي النظام إلى المزيد من الغدر والإبادة. والسؤال هو كيف علينا أن نتحرر من الحزن قليلا كي نعود إلى كتابتنا؟ لأني موقنة أنني أعاني مثل غيري؟

كيف أتحرر من إدمان الإنترنت والشاشات الإخبارية؟ هذا هو سؤالي وهي مشكلتي فعلاً وإن كنت قد خطوت بضع خطوات لتنظيمها.

أحياناً أشك في أنني أنا، وأنني نفسي. لقد كنت أكتب يومياً في أيام الحرب في بيروت تحت وقع القصف، وفعلت هذا بشكل شبه يومي دوماً في المنافي وفي الوطن عدا السنة الأولى لاجتياح رام الله 2002، فكيف أتحول إلى عبودية الأخبار؟ وكيف لي أن أعود إلى انتظام نشاطي الإبداعي؟

هذا هو اعترافي.


*ليانة بدر كاتبة وسينمائية من فلسطين عاشت في دمشق وبيروت وتونس، واليوم تعيش في رام الله.

13