ليبيا: ألغام في طريق السلام

الحديث عن انتخابات عامة وسط غابة من السلاح والميليشيات، حتى وإن أفضى الأمر إلى انضمام العديد من الجماعات إلى الجيش الجديد، يعد خطرا حقيقيا قد يحول دون إجرائها بالشكل المطلوب.
السبت 2018/04/07
مسار الأمم المتحدة يقوم على الحوار الشامل

دخول جل المحافظات الليبية في حوارات محلية تحضيرا لمؤتمر الحوار الوطني في تونس منتصف الشهر الجاري والذي سيؤثث المشهد السياسي الليبي لإجراء الانتخابات العامة نهاية 2018، يندرج في سياق تحريك المياه الراكدة وفتح مسالك في صحراء سياسية وعسكرية وعرة.

انضمام الجامعة العربية إلى الجهد الأممي الحاصل، ودعوة ممثل الجامعة العربية في ليبيا صلاح الدين الجمالي إلى الالتفاف حول “المؤتمر الوطني العام والجامع”، يؤكدان أن حرص دول الجوار بصفة خاصة، والمنتظم العربي بصفة عامة، على التهدئة في ليبيا وصولا إلى التسوية العامة بات مطلبا ملحا وضروريا.

هناك مجموعة من المؤشرات المشجعة تدفع نحو فرضية التوافق، على رأسها التقدم في مسار توحيد المؤسسة العسكرية واتفاق لجنتي التفاوض على أهم النقاط في ما يخص مهام الجيش الجديد وآليات التوحيد، إضافة إلى انتهاء اللجنة العليا للانتخابات من تسجيل قائمة الناخبين الذين بلغ عددهم حوالي 2.5 مليون داخل ليبيا وخارجها، دون نسيان المسودة النهائية للدستور الجديد الذي تعد خطوة متقدمة في مجال إعادة الإعمار المؤسساتي في ليبيا اليوم.

ويبدو أنّ المسار الذي ستعتمده الأمم المتحدة في تأثيث المرحلة الانتقالية قائم على الحوار الوطني الشامل والجامع ومن ثمة إجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية نهاية 2018، ليكون الاستفتاء على الدستور الحلقة الأخيرة من حلقات المرحلة الانتقالية في ليبيا.

تلعب تونس والقاهرة اليوم أدوارا أساسية في جسر الهوة بين الفرقاء الليبيين، فلئن أنيطت بتونس الاستحقاقات السياسية وتقريب وجهات النظر بين مجلس النواب في طبرق، والمجلس الرئاسي في طرابلس، والمؤتمر الوطني السابق، فإن القاهرة فتحت قلبها لحوار شائك قوامه توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية بين لجنة من طبرق وأخرى من طرابلس تابعة للمجلس الرئاسي.

والمهم في هذا السياق أن مخرجات كل حوار تصب في الآخر، فالحوار السياسي لن يتأتى دون مأسسة للقوة العسكرية والأمنية، والحوار “العسكري” لن ينجح دون بلورة لحالة سياسية تحظى بالشرعية والاستقلالية.

صحيح أن هناك أصواتا رافضة للحوار خاصة في مقاربة توحيد المؤسسة العسكرية، وهي أصوات موجودة في المشهد الليبي ولكنّها أقلية من حيث النفوذ والتأثير، لا فقط لأنها تعبر عن موقف أيديولوجي محمّل بأحقاد السرديات السابقة، بل لأن غالبية المشهدية السياسية والعسكرية الليبية تريد أن تجنح للسلم والتوافق وأن تؤسس ورقات تفاهم لبناء ليبيا الجديدة.

ولئن سلمنا بوجود مؤشرات إيجابية في المشهد الليبي الراهن يجب المراكمة والبناء عليها من طرف الفاعلين الإقليميين والدوليين، فإن الشياطين تكمن في التفاصيل، وكم كشفت لنا مشهديات الصراع في سوريا واليمن كينونة الاستعصاء عندما يتعلّق الأمر بنقاط يعتبرها كل طرف خط دفاعه الأول والأخير. ذلك أن الحديث عن انتخابات عامة وسط غابة من السلاح والميليشيات، حتى وإن أفضى الأمر إلى انضمام العديد من الجماعات إلى الجيش الجديد، يعد خطرا حقيقيا قد يحول دون إجرائها بالشكل المطلوب قبل الحديث عن شرعية الاقتراع تحت حراب الميليشيات.

كما أن إجراء الانتخابات قبل الاستفتاء على الدستور الذي يعطي الصبغة السياسية للدولة ويفصل الصلاحيات ويحدد السلطات، أمر غير مشجع سيما وأنّ الحالة المصرية ما بين 2011 و2013 أثبتت بما لا يدع مجالا للشك مدى ضعف المشهد السياسي المنتخب غير المستند إلى دستور للجمهورية الجديدة.

ولئن عولت الهيئة العليا للانتخابات والوسيط الدولي غسان سلامة على الإعلان الدستوري، وهو النص التشريعي الوحيد للمرحلة الانتقالية في ليبيا، فإن الإعلان بلغ من التشرذم وفقدان المرجعية ما يفرض اليوم تجاوزه دستوريا على الأقل.

يخشى غسان سلامة أمرين اثنين، الأول كامن في بلوغ أعداد المسجلين للانتخابات السقف المقبول به في الانتخابات العادية، ولكن ليس لانتخابات مصيرية ستكون أم الشرعيات في ليبيا وأم الاتفاقات والتفاهمات كالتي يراد لها أن تكون في موفى 2018، وهي استحقاقات لا بد أن تجمع غالبية الشعب وليس أقل من النصف بقليل.

أمّا الثاني فأن تكون عودة النظام السابق متدثرا بعنوان رئاسي كبير، هو سيف الإسلام القذافي، محل تشرذم جديد لا يستوعبه المشهد الحالي، لا فقط لأن عودة نجل القذافي قد تقرأ ضمن سياقات الانتقام السياسي، بل لأنّ الأخير متعلّقة به أكثر من قضية في محكمة الجنايات الدولية.

9