ليبيا أهم من أن تترك لوحدها

الجمعة 2014/09/05

بإصدار مجلس الأمن الدولي للقرار عدد 2174 تفاءل الليبيون وتنفسوا الصعداء بعد مرارة ما عاشته العاصمة طرابلس من عمليات عسكرية في شهر أغسطس 2014، والتي أدت إلى استهداف المطار وحرق طائراته. وهي عمليات عسكرية قادتها ميلشيات تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي بعد خسارته في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

فالمعلوم أن قائمات تيار الإسلام السياسي لم تتحصل في الانتخاب البرلمانية الأخيرة على أكثر من 18 مقعدا من إجمالي 200 مقعد، ذهبت غالبيتها إلى التيار الوطني بقيادة تحالف القوى الوطنية. وهو البرلمان الذي اعترف به العالم، ممثلا في منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وأميركا وجامعة الدول العربية ومجلس دول التعاون في الخليج العربي.

اليوم وبعد صدور القرار الأممي، الذي تزامن مع تعين الدبلوماسي والسياسي المحنك الأسباني برناردينو ليون رئيسا جديدا لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا، ووصوله إلى طبرق الأسبوع الماضي، حيث يوجد مقر البرلمان الليبي الذي لم يستطع أن ينعقد في طرابلس نظرا إلى الحالة الأمنية المتدهورة، التي أجبرت معظم السفارات الأجنبية على مغادرة ليبيا، فضلا عن آلاف العائلات الليبية.

اليوم ازداد الليبيون أملا. الليبيون الذين ينتظرون ميلاد ليبيا الثانية، بدولة مدنية، ودولة القانون والمؤسسات، دولة التنمية المستدامة والرفاه. دولة منسجمة مع محيطها العربي والغربي.

ففي السابق وبعد مرور قرابة ثلاث سنوات من اندلاع الثورة، لم تستطع ليبيا النهوض بمفردها، ولم يهتم العالم بأن يساعدها في بناء مؤسساتها، حيث اعترف الرئيس الأميركي بقوله «إننا أخطأنا في السابق في ليبيا، حيث قمنا بمساعدة الليبيين بإسقاط نظام معمر القذافي، ولم نقم بمساعدتهم في بناء مؤسسات الدولة وطرح خارطة طريق ونموج للدولة بعد القذافي».

نص القرار الأممي عدد 2174 على وقف فوري لإطلاق النار وحماية المدنيين والمنشآت كالمطارات والموانئ والمستشفيات والكهرباء والماء، كما نص على متابعة ومعاقبة كل من تورط في أعمال العنف واعتبارهم مجرمين حرب.

نص القرار أيضا على الدعوة إلى الحوار الوطني وجلوس الأطراف المتنازعة على طاولة للحوار الوطني الشامل، كما نص القرار أيضا على ضرورة محاربة الإرهاب ومتابعة الوضع على الأرض بتصعيد العقوبات حتى استعادة الأمن في ليبيا.

ليبيا أهم من أن تترك لوحدها في مواجهة مصير الفوضى والعنف والإرهاب، والذي سيقود حتما إلى سيطرة الإرهاب على الدولة الوليدة ومؤسساتها، والخارجة لتوها من رحم الدكتاتورية والمعاناة، خاصة إذا عرفنا أن الآلاف من المقاتلين الإسلامويين بدأوا في الوصول إليها نصرة لتيار الإسلام السياسي.

وهذا يعني أن أمام المجتمع الدولي اليـوم أمريـن لا ثالث لهما؛ إمـا تركهـا للقتال والفـوضى وبـالتـالي سيطـرة التطـرف عليهـا، بما يعني من انتشار للجـريمة والإرهـاب، ومـن ثمـة انتقـالهـا (أي الفـوضى) إلى أوروبـا من خلال الهجـرة غيـر الشـرعية، فمـوقع ليبيا، كما هــو معـروف، على مـرمى حجـر مـن سواحـل الاتحاد الأوروبـي ويعـرف العـالـم بوجـود قـرابـة مليـون مهـاجـر أفريقي في انتظار الهجـرة السـرية إلـى أوروبـا، وفي حال تدهـور الأوضاع سيلجـأ هـؤلاء المغـامـرون إلى ركـوب الأمـواج في اتجـاه أوروبا، وهذا أضعـف الاحتمـالات إذا لـم تستول الجماعات المتطرفـة، مثل الدولـة الإسلامية داعش ومشتقاتهـا، على بعض منـاطـق ليبيـا وتوجـهها إلى القتـال في أوروبـا، كما أشار إلى ذلـك الأسبـوع الماضي ملك العربية السعودية، حين قال بالحرف الـواحد «إن الإرهاب قادم إلى أوروبا إذا لم نتحد لمحاربته اليوم قبل الغد».

أما الخيار الثاني فيقـوم على مساعدة ليبيا في بناء مؤسساتهـا، وتدريـب كـوادرها، وإيجاد نموذج مناسب لها يحقق الاستقـرار والأمان والتوجـه للإعمـار والبناء، بدل القتل والحرب والدمار. السؤال القائم الآن هو ما هي الآلية التي سوف تتاح لمجلس الأمن الدولي لتطبيق القرار؟ هل يستعمل قوات الناتو مثل ما حدث عام 2011 أم سيلجأ إلى إرسال قوات عربية وإسلامية على الأرض؟

إذن هو تحد كبير أمام السيد برناردينو ليون، الذي نتمنى له النجاح في مهمته، وهي مهمة بناء ليبيا الثانية. فبناء دولة مدنية آمنة ومستقرة هو مكسب لليبيا، وللمنطقة ولأوروبا وللعالم برمته، وليتمتع الليبيون وشركاؤهم في التنمية بثروات هائلة مثبتة تقدر بـ40 مليار برميل نفط في ثلثي مساحة ليبيا، الذي تم تخريطه ودراسته دراسة جيولوجية، فمن المتوقع أن تصل إلى 50 مليار برميل أو أكثر، مما يجعل ليبيا الدولة الأكثر غنى بالنفط في قارة أفريقيا، قبل نيجيريا والجزائر التي لا تملك أكثر من 8 مليار برميل نفط ، هذا دون الغاز والثروات المعدنية الأخرى التي تزخر بها ليبيا.

قد تكون هذه الثروات هي سبب رغبة الجماعات المتطرفة في السيطرة على ليبيا، فوجود هذا الكم الهائل من الثروة، يجعل ليبيا مثل صحن من العسل في غابة من النحل.

المساعدة في بناء ليبيا تبدأ من فهم تاريخ ليبيا المعاصر، فالدولة الليبية الأولى تأسست وأعلنت الاستقلال في 24 ديسمبر 1951، وأعلنت تحت اسم المملكة الليبية المتحدة، وتضم الأقاليم الثلاثة وهي ولايات برقة، وطرابلس، وفزان.

ثم جاء الانقلاب العسكري في عام 1969 ليقلب الأمور رأسا على عقب، فساءت أحوال ليبيا لمدة أربعين عاما أو أكثر عاشها الليبيون في دمار شامل لمفهوم الدولة، فمنذ الانقلاب تعطل مفهوم الدولة، ليزداد الطين بلة في خطاب زوارة عام 1973 الذي أعلن وأقرّ تعطيل كل التشريعات القانونية وإلغاء معظم المؤسسات، ليقام ما سمي آنذاك «نظام الجماهير».

قريبا سنرى صراعا شرسا على شكل الدولة الليبية الثانية التي يسعى الشعب الليبي إلى تأسيسهـا وإقامتها، وسيـظهر ذلك في كتابة الدستور، فهناك العـديد من الليبيين الذين يريدون ليبيا دولـة دينة قانونها الشريعة الإسلاميـة، وهنـاك من يريد دولة مدنيـة، وسيظل الصـراع الى أن نجد صيغة توافق ونصل إلى الاتفاق على شكل الدولـة الحـديثـة التي يفتـرضُ أن يتفق عليها كل الليبيـين، أو معظمهـم، سلميا لبناء دولة ليبيا الثانية، دولة الليبيين بجميع المكونات السياسية، وبمساعدة دولية وأوروبية، لنربح ليبيا بدلا من أن تكون مصدرا للشرور بأنواعها لعقود طويلة، ليس على الليبيين فقط بل على الجميع.

الثابت أن ترك ليبيا لوحدها في مواجهة الفوضى والتطرف، سيكون خطرا لا على ليبيا وحدها، بل على كامل منطقة البحر الأبيض المتوسط والعالم أيضا.


كاتب ليبي

9