ليبيا: الإرث الذي يطاردنا

الخميس 2015/04/23

تجدد التوتر هذا الأسبوع في العاصمة الليبية طرابلس، وعاشت بعض أحيائها أجواء احتراب ومداهمات وتخوين طرف لطرف آخر، وسقط أثناء ذلك الضحايا وسالت الدماء البريئة وتهدمت البيوت فوق رؤوس ساكنيها، في دورة من دورات العبث والجنون، التي عرفتها العاصمة من قبل، وعرفتها مدن أخرى في ليبيا، وبالذات عاصمة الثورة بنغازي التي أصبحت الآن أشبه بمدينة أشباح، وهي أحداث مؤلمة تحدث بالتزامن مع جلسات الحوار بين أطراف النزاع الليبي في المغرب، مع تواتر التصريحات التي تتحدث عن الوفاق والتفاهم الذي يسود هذه الجلسات.

ودعونا نعد إلى بداية القصة، فقد نجحت ثورة 17 فبراير بما توفر لأهلها من عزم وحزم، وما تلقته من تعاطف العالم ودعمه، في الإطاحة بنظام الاستبداد الذي كبل الشعب الليبي بسلاسل من حديد، لمدة أربعة عقود ونيف.

انتهى النظام السابق، إلا أن إرثه الذي يتصل بالسلوكيات والممارسات والأفكار لم ينته، ولم يكن متوقعا كما لم يكن ممكنا، أن ترحل آثاره بمجرد رحيله، وكان مأمولا، أن يباشر العهد الجديد وضع برامج وسياسات ومناهج فكرية وثقافية وتعليمية، تستهدف تحرير العقول والقلوب من ذلك الإرث، إلا أن ذلك لم يحدث، لأنه ثمة أجندات داخلية وخارجية، أيديولوجية ومصلحية، وربما عشائرية ومناطقية، دخلت على خط الثورة، وعطلت البدء في مسيرة الإصلاح.

بقي المشهد السياسي في ليبيا مشهدا مأساويا، تواصلت فيه حروب الفرقاء الثوريين، بعد أن انتهت الحرب مع النظام القديم، وكل منهم يدعي انتسابا إلى ثورة 17 فبراير، ويتهم الطرف الثاني بخيانتها والانحراف عن أهدافها، وصار حال البلاد، حال الجندي الجريح، الذي لا يجد هدنة، ولا تمنحه الحرب فرصة، يغادر فيها أرض المعركة وغبارها ونيرانها، لتطبيب جراحه وإيقاف نزيف الدم من جسمه، وصار غير ممكن أن تلتفت ليبيا إلى بناء ما دمرته الحرب التي اشتعلت مع النظام القديم، ودخلت فيها قوى تدمير وحسم على المستوى الدولي، هي جيوش حلف الناتو، ولا وجود لفرصة لمعالجة الآثار المترتبة على أربعين عاما من التحريف والتجريف وتزييف الوعي وتغييب القيم، وسيطرة الباطل على الحق، والظلم على العدل، والجهل على العلم.

بدلا من ذلك برزت على السطح ظواهر سلبية وأمراض قديمة، ارتبطت بنظام الاستبداد نفسه، وممارساته وسلوكياته، ورأينا شخصيات ميليشياوية، تتلبسها روح رئيس النظام السابق، تسعى لإعادة إنتاج أسلوبه في الإدارة والحكم والتعامل مع الناس، وهي غالبا لا تتعمد ذلك، ولكنها لم تعرف في ليبيا نموذجا للحكم تحتذي به ومثالا للقيادة تتعلم منه، إلا ذلك المثال المليء بالزيف والغرور، ووجدت نفسها تتماهى مع شخصيته المريضة، وترتكب نفس الكوارث، وهو ليس إلا جزءا من الإرث الذي أدخل البلاد في أزمتها المستفحلة، التي يبدو صعبا الخروج منها، لأن هذا القائد الميليشياوي الذي جاء من مرتبة متواضعة، ووجد نفسه قادرا على ارتكاب جرائم القتل، دون أن يحاسبه أحد، لأنه يحتمي بالبنادق والمجنزرات والدبابات التي استولى عليها باعتبارها غنيمة من غنائم الحرب، أو اعطاها له أمير يدعم الإرهاب من بعيد، واستعملها في التسيد على المشهد السياسي، كيف نتوقع أن يتخلى عن ذلك باختياره ودون إرغام. إنه لن يفعل ذلك طواعية أبدا، وقد تداولت وسائل الإعلام حديثا عن مصرع ميليشياوي اسمه بوكا، كان عامل دهان سيارات وأصبح قائدا ميدانيا مع الجماعات الإسلامية، يأمر وينهي ويصدر أحكام الموت على الخصوم، ووصلت أرصدته في المصارف إلى عشرات الملايين من الدولارات، فهل كان هناك شيء غير الموت، يمكن أن يخرج بوكا من المشهد؟

استمعت إلى تصريحات برناردينو ليون، التي يطلقها عن تحقيق المصالحة المنشودة، والوصول إلى توافق على تعيين حكومة وحدة وطنية تملأ الفراغ وتقود البلاد عبر مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة، ومن الفوضى إلى المؤسسات الدائمة، وأتمنى أن يكون كلامه صحيحا، وأن تخضع الأطراف المتنازعة إلى صوت العقل وتستجيب لجهود المبعوث الأممي، وأن يدرك هؤلاء الليبيون المتحاربون أنه لا وجود في مثل هذه الصراعات لرابح ولا منتصر، فالجميع مهزوم وخاسر ولا نصر إلا بالانتصار للوطن وسلامه وأمنه، ولكنني مع ذلك أضع يدي على قلبي خشية أن تنتهي هذه الجهود إلى هباء وسراب، لأنني لا أرى قوة تستطيع أن ترغم أشباه بوكا على العودة إلى الحفر التي جاؤوا منها، وترغم قطاعا آخر من أشباه بوكا على الدخول في أقفاص الاتهام لمحاسبتهم على جرائم القتل والخطف والتصفية التي قاموا بها للخصوم.

نعم يمكن أن يصدر عفو عام ضد بعض مرتكبي هذه الجرائم، خاصة فيما يتصل بأملاك الدولة التي دمرت بما فيها مطار طرابلس الدولي، وطائراته التي تصل فاتـورتها إلى بضع مليـارات، ولكن لا أحد في العالم يستطيع أن يعطي عفـوا عن جريمة قتل ذهب ضحيتها صبي أو صبية، ولا أحد في العالم يمنع والده أو أمه من رفع قضية لإنصافه والقصاص من القاتل، وإحقـاق الحق وإقامة العدل، ضد المجرم الذي قتل تلك الروح البريئة، فهل سيرضى مجرمو الميليشيات بمثل هذه الترتيبات التي لا يمكن أن يحل سلام ولا أمن ولا استقرار بدونها؟

كاتب ليبي

9