ليبيا التي لا نعرفها

الخميس 2013/10/17

أعتقد أنني مدين باعتذار لعدد كبير من الأصدقاء، الذين كنت أدخل معهم في جدال، أميل فيه إلى جانب التفاؤل، وتغليب الصورة الزاهية المشرقة التي أراها تلوح في الأفق، على الجانب المعتم الذي يرونه، ويعبرون عن يأسهم من الحالة الليبية التي تزداد تدهورا كل يوم، وأثبتت الأيام أنهم على حق، وأنني كنت مسرفا في التفاؤل، متشبثا بما اتضح أنه سراب وتيه، وكنت في الحقيقة قد بنيت موقفي على عدد من العوامل، التي رأيتها تمثل الجانب الإيجابي الذي سيخرج البلاد من الأزمة، وينقذها من الفوضى، ولكن هذه العوامل للأسف الشديد ظهرت هشاشتها، ولم تصمد أمام الانهيارات السياسية والأمنية، بل والاقتصادية التي شهدتها البلاد، وسوف آتي في الحال على ذكر بعضها، وأشرح كيف تهاوت، وتهاوى معها الأمل الذي ساقني للوقوف في مواجهة المتشائمين، الذين أكدت الأيام صحة نظرتهم وخطأ نظرتي.

العامل الأول الذي كان يدفعني للتفاؤل، هو الاستحقاق الانتخابي الديمقراطي الذي أعطى إشارة البدء لتأسيس سلطة شرعية بديلة لسلطة الطاغية، بعد انهيار نظامه ونجاح الثورة في استرداد البلاد من مختطفيها وإعادتها إلى أهلها. وكان إنشاء مؤتمر وطني عام عن طريق الاقتراع، يؤسس لنظام ديمقراطي ويقوم على اختيار الشعب لممثليه، تدشينا لعصر جديد تدخله البلاد، وكان أمرا مبهجا أن يتم هذا الاستحقاق الانتخابي بأمانة وشفافية، وخاليا من القبليات والعصبيات الأيديولوجية وغيرها، فكان هذا الأداء وهذه النتيجة مبعثا للتفاؤل، بأن البلاد تمضي في الطريق الصحيح. وكان أيضا مؤشرا إيجابيا بأن اليمين المتأسلم الذي أفلح في خداع الجماهير في مصر وتونس، واجه في ليبيا حالة من الوعي الشعبي الذي لم يخضع لابتزازه.

ورغم النسبة الصغيرة التي أعطيت في الانتخابات الليبية للكيانات السياسية، فقد تحقق الاكتساح للتحالف الوطني الذي ينادي بالدولة المدنية، فحصل على أغلب المقاعد، ومني الإسلاميون بهزيمة كبيرة أمام التحالف بحيث لم يتحقق لهم ربع ما تحقق له، بل إن حزبا نال دعما كبيرا من القوى الإسلامية في الداخل والخارج اسمه حزب الوطن لم يستطع الوصول حتى بمرشح واحد إلى كرسي النيابة.

إلا أن هذه الصيرورة الديمقراطية سرعان ما تم إجهاضها عن طريق الميليشيات المسلحة، التي اغتصبت السلطة وأفرغت المؤتمر الوطني من محتواه، وجعلته مجرّد يافطة بلا محتوى ولا مضمون، وإذا بهؤلاء الإسلاميين الذين لم يكن يزيد تمثيلهم على أصابع اليدين، هم من يناور ويداور ويفرض أجندته، ويملي بالمدفع والبندقية إرادته على بقية الأعضاء غصبا وترويعا، ثم يجعل البلاد كلها رهينة له، فيتم اختطافها لصالح هذه التيارات العنيفة التي جاء بعضها من كهوف تورا بورا، ومن بقايا القاعدة، عدا ما يسمى تنظيم الإخوان الذي يعمل بانسجام مع كل أهل التطرف والغلو، مستعينا بشيخ من أصحاب التزمت في موقع المفتي، لتسويغ القرارات التي يريدونها لأخونة البلاد، وتكفير كل من يدعو إلى الدولة المدنية والنظام الدستوري. هذا العامل الأول الذي أوقعني في خطإ النظرة المتفائلة.

العامل الثاني هو ما تبدّى أثناء الثورة من تضحيات، وما ظهر من صور الاستبسال والشهامة وروح الفداء والبذل والعطاء، مما جعلني أوقن أن ثورة قادتها هذه المثل والقيم النبيلة، وهذه المشاعر الوطنية الجليلة، لا بدّ وأن تمضي في الطريق إلى آخره، طريق الخير والولاء الوطني وبناء المستقبل الزاهر الذي خرج الشهداء ينشدونه لأهلهم. ولكن هذه الصورة الجليلة الجميلة صارت تتراجع مع الأيام، ولا أستطيع شخصيا شرح ما حدث في هذا الحيز الصغير، لأن هناك بالتأكيد جانبا مضيئا في الإنسان وجانبا معتما. ولا تعني إشراقة الجانب المضيء أن الجانب الثاني قد توارى وغاب نهائيا، فهو قد يجد الفرصة ليطل برأسه ويفاجئ الناس بهذا الوجه المعتم الذي لا يعرفونه.

العامل الثالث هو المعدن الأصيل الذي كنت أثق أنه موجود في الشعب الليبي، ودليلي أن الطاغية نفسه كان يحرّض الناس على الفتنة، وكان يدفعهم للدخول في معارك ضدّ بعضهم بعضا، بما كان يسميه زحوفا، وما يسميه معركة طلابية وأخرى عمالية وأخرى إدارية وأخرى ثقافية، يريد أن ينشب القتال بين الناس. ومع ذلك ورغم هذا التحريض الرسمي، كان الناس يرتفعون فوق هذا التحريض فلم نر استجابة لما يريده الطاغية من مجازر، فكان يضطر إلى أن يقوم بها بنفسه من خلال جلاوزته، فيشنق الطلاب في الجامعة أو يصفي الخصوم في السجون.

ولكن رأينا صورة لهؤلاء- بعد أن ارتفع التحريض على القتل والاحتراب- يظهرون فيها على صورة وحوش، يقتلون وينهبون، مما يحتاج إلى دراسات نفسية لهذه التحولات التي تطرأ على الإنسان. ولعلني أعود بالشرح لمثل هذه العوامل النفسية الفاعلة في وعيي ولا وعي البشر.

هناك عوامل أخرى كثيرة كانت تدفع بي للتفاؤل، ولكن هذه العوامل كانت تنهار أمام زحف الموجات الظلامية التي تأكل موجات الضوء والهواء، وتترك الصورة بهذا التعتيم، إلى درجة أنني أرى الآن ليبيا أخرى لا أعرفها، ولم أكن قد عاينتها في أزمنة سابقة بما فيها أزمنة التأزم والاحتقان. فهذه المرحلة التي تمرّ بها البلاد اليوم هي أكثر المراحل سوءا في التاريخ الليبي الحديث.

دخلت ليبيا نفق الفوضى وانعدام الشرعية وسيطرة القوى الظلامية، وما عملية الاختطاف التي تعرض لها رئيس الحكومة المؤقتة علي زيدان إلا حالة من حالات التجلي لهذا التأزم الذي وصلت له الحالة الليبية، وهي مرشحة لمزيد من الاستفحال والسقوط في أودية الفوضى والخراب، ما لم نر حالة استنفار دولي لإنقاذ هذا القطر الذي يربط بين قارات العالم. ومرحبا بقوات الأمم المتحدة لإعادة النظام والقانون لوطن صار الآن أشبه بغابة لا يحكمها نظام ولا قانون.


كاتب ليبي

9