ليبيا.. الحل الذي لا حل سواه

الخميس 2016/07/21

شهدت العاصمة تونس خلال اليومين الماضيين اجتماعا للجان الحوار الليبي، تحت إشراف المندوب الأممي مارتن كوبلر، وبحضور أعضاء المجلس الرئاسي، وتطلع إليه الليبيون على أمل أن يروا حلا ينتج عن هذا الاجتماع، إلا أن النتيجة لم تكن إلا تكريسا للوضع الراهن ونقاشا عقيما حصاده العجز والخيبة. ولسنا هنا في محل البحث عن أسباب هذا الفشل، فربما كان الجزء الأهم منه راجعا إلى عناصر الإسلام السياسي، التي تزخر بها لجان الحوار، وترى أنها قد كسبت مواقع، ستكون مهددة بالضياع إذا حصل تغيير في معطيات الحالة الراهنة.

لا بد من الاعتراف بأن البحث عن حل يبدأ من حقيقة واضحة جلية، وهي أن الاتفاق الذي أوصل المجلس الرئاسي إلى الحكم، وصل إلى طريق مسدود، ولم يعد ممكنا أن يواصل الليبيون معالجة النهايات الميتة، كما يقول التعبير الشهير.

وعبر ما شهدته وسمعته ودخلت طرفا فيه من نقاشات واتصالات، شملت قاعدة عريضة من ممثلي ألوان الطيف السياسي والمهتمين بالشأن العام الليبي، أقول إن الحل الذي يتفق عليه أغلب الناس، ويرون أنه حل لا وجود لحل سواه، بعد أن وصلت محاولات التلفيق إلى هذا الحصاد المر من الإخفاق، هو الحل الذي يقول بالعودة إلى صاحب الشأن الأصلي، أي الشعب الليبي، في انتخابات نيابية، يخوضها ممثلون عن كل بقعة من بقاع ليبيا، في مناخ جديد، غير مناخات سابقة حصلت في انتخـابات المـؤتمر الـوطني، وخليفته مجلس النواب، لأن حالة الاختناق وصلت إلى كـل الناس، والمعاناة عمت الجميع، ونزيف الموارد والإمكانيات بلغ حده الأقصى تاركا الناس في حالة بؤس وفاقة إلى حد المجاعة، وصار الجميع يتطلعون الآن إلى أن يصلوا إلى كلمة سواء لإنهاء الأزمة، وهي كلمة لا أحد مخول لقولها غير الشعب الليبي ولا سبيل إلى الوصول إليها إلا عبر انتخابات برلمان قادم، لا يهم إن كان مؤقتا لعام أو عامين، أو دائما لدورة سنوات أربع كما هو في البرلمانات الرسمية، وأن يتم بتوافق بين الليبيين، بعد أن فشلت محاولات الإنابة عنهم بمثل هذه اللجان الحوارية والمسارات الشعبية والعسكرية والمجالس البلدية، وغيرها من عناصر تخرج عن سياق التمثيل الطبيعي المعتمد في سائر بلاد العالم، وهو مجلس نيابي، يكون هو المخول ولا جهة سواه، لقول الكلمة الفصل في الشأن الليبي، واختيار من يتم التوافق عليه لتحمل مسؤولية تسيير الدولة وفق قاعدة الأغلبية.

هناك تجربتان لانتخابات نيابية، أنجزهما الشعب الليبي، في وقت لم تكن فيه الحالة العامة، اقتصادا وسياسة وأمنا، قد وصلت إلى هذا الدرك الأسفل من التردي والسقوط، وكان بعضهم قد تصور أنه يستطيع بالمغالبة تحقيق أهدافه، ولكن التجربة أظهرت أنه عندما يخسر الوطن، فلا وجود لرابح ولا مستفيد من بين أبنائه، وهذا أول دروس الانتخابات السابقة، ولا بأس من تكرار الانتخابات مرة واثنتين وثلاثا، فهي عودة إلى الشعب لا بد منها عند تأزم الحالات والبحث عن كلمة تجمع كل الناس.

أما الدرس الثاني الذي لا يمكن إقامة انتخابات نيابية في ليبيا إلا بمراعاته، وتطبيق شروطه، فهو ألّا تترك الانتخابات لأي طرف من الأطراف المتنازعة للعبث بها، ولا ضمان في ظل وجود الميليشيات والسلاح غير الشرعي، والخصومات والانقسامات والاشتباكات المسلحة، إلا بأن تتولى جهة دولية محايدة الإشراف على إقامة انتخابات نقية نزيهة خالية من العسف والمغالبة، وأن تحمي هذه الجهة الدولية مراكز الاقتراع بقوات سلام دولية من أصحاب القبعات الزرقاء، ومراقبين دوليين ربما بمشاركة أهل القضاء في ليبيا. لأنه لن نفوز ببرلمان يمثل ما يريده الشعب بغير هذه التدابير، كما لا إمكانية لتأجيل الوصول إلى هذا الحل، أو انتظار إقامة الانتخابات يوم أن تنتهي من ليبيا آخر قطعة سلاح خارج الشرعية أو اختفاء آخر ميليشياوي، لأن هذا البرلمان هو الذي يجب أن تتفق كل الأطراف على أنه صاحب الكلمة العليا في قيادة ليبيا خالية من الميليشيات ومن السلاح غير الشرعي، دولة الأمن والقانون والالتحاق بحضارة العصر بعد أن تخلفت عنها لعدة عقود.

كاتب ليبي

9