ليبيا: الخروج من المأزق

الخميس 2016/05/26

من مؤاخذات الحراك السياسي في شرق البلاد، متمثلا في مجلس النواب والحكومة المؤقتة المنبثقة عنه، مضافا إليهما الجيش الوطني الرسمي برئاسة الفريق خليفة حفتر، على حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، أنها تعتمد في عملها السياسي والإداري والعسكري والأمني، على جماعات الإسلام السياسي، والميليشيات التابعة له، وتنجرف، شيئا فشيئا، إلى الوقوع في أحضان هذا التيار، الذي يستخدمها ستارا للتمكين لنفسه، ويسخرها لخدمة أغراضه.

وينسى أهل هذا الحراك أنهم بما اقترفوه من إثم في عرقلة الاعتراف بحكومة الوفاق، أسهموا في دفعها إلى هذا الاتجاه، لأنهم تركوها معلقة كل هذه المدة، التي بلغت الآن ثمانية أشهر، لا تكاد تجد أرضا تقف عليها، في غياب المصادقة على تشكيلتها الحكومية، وممارسة عملها بشكل شرعي، مالكة لحرية الحركة والتعامل مع كل الأطراف، بما في ذلك أطراف تابعة للجيش الرسمي، وأطراف في الحراك السياسي شرق البلاد، وفي مقدمتها أعضاء مجلس النواب أنفسهم، إلا أنهم تركوها للأسف الشديد، محاطة بالفراغ، لا قدرة لها على الحركة والعمل، إلا إذا استعانت بالقوى الموجودة على الأرض في طرابلس، ممن أبدت قبولا بها وترحيبا بوجودها في العاصمة، وهي في أغلبها قوى ذات ولاء للإسلام السياسي أو متحالفة مع جماعاته.

وإذا كانت حكومة الوفاق الوطني، ممثلة الآن بمجلسها الرئاسي، تعيش مأزق عدم الاعتراف الرسمي بها، من المجلس النيابي، فهي بالتأكيد ليست وحدها من يعاني هذا المأزق، فالجانب الموازي، الموجود في مدينة طبرق مقر مجلس النواب، ومدينة البيضاء مقر مجلس الوزراء المؤقت، ومدينة المرج مقر قيادة الجيش، ليس أفضل حالا من حكومة الوفاق، بل هو يعيش مأزقا أكثر حدة وخطورة، وأبلغ تأثرا بحالة التردي التي تعيشها البلاد، مما تعانيه حكومة الوفاق، فهذا الحراك يفقد الآن الاعتراف الدولي الذي كان يتمتع به، وقد يفقد تمديد الصلاحية لمجلس النواب الذي يعمل خارج التفويض الممنوح له شعبيا، وخارج المدة التي انتهت، ولا تجديد لها إلا عن طريق اتفاقية الصخيرات، كما سيفقد هذا الحراك الموارد المادية التي يعيش عليها، لأنها لن تكون متاحة له، بعد أن صار المجلس الرئاسي وحده المخول دوليا ببيع النفط واستلام إيراداته، وفوق هذا، فإن ما يفعلونه تكريس لتقسيم البلاد وتشظيها، بل قد لا نبالغ إذا قلنا إنه ممارسة للتقسيم والانفصال، وإذا كانت حكومة الوفاق انحرفت باتجاه الإسلاميين، فإن مجلس النواب انحرف باتجاه التيار الانفصالي في برقة الذي يسمي نفسه الحراك الفدرالي، والذي يعمل بعصبية وجهل، على تقسيم البلاد.

ورغم كل التحفظات على أداء المجلس الرئاسي، وحكومة الوفاق الوطني، فإنني شخصيا لا أرى حلا للأزمة ولا خروجا من المأزق ولا إنقاذا لليبيا من التشرذم والتمزق والانشطار إلى أكثر من جزء، إلا بتغليب العامل الوطني لدى كل الأطراف، وتمكين حكومة الوفاق من المصادقة المطلوبة من مجلس النواب، بما يقتضيه الأمر من تعديل للإعلان الدستوري، واعتماد هذه الحكومة جسما وحيدا للجهاز التنفيذي والإداري للبلاد، وإبقاء مجلس النواب جسما وحيدا للتشريع خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية، وهي مدة تم تحديدها بعام واحد قابل للتجديد. وأرجو صادقا ألا يكون هناك تجديد بعد العام، وإنما يصر الجميع على أنه تفويض لمدة عام واحد لكي لا نطيل عمر الأزمة، ولا نضيف إلى الفترة الانتقالية التي وصلت الآن إلى خمسة أعوام غير عام واحد، يتم خلاله إنجاز الاستحقاقات المطلوبة للمباشرة في بناء المؤسسات الدستورية الدائمة للدولة، بدءا من إقرار الدستور الدائم، وانتخاب مجلس النواب، وربما انتخاب الرئيس إذا استقر الرأي على النظام الجمهوري، أو الاستفتاء على الملك، إذا استقر الرأي على النظام الملكي، وهو عام يتم فيه وضع هذه الأطراف أمام مسؤولياتها وإنجازها دون تأخير.

وأقول ختاما، إنه اختيار تمليه الضرورة، لأنه في غياب مثل هذا الحل، فإن الأزمة لن تتوقف عند هذا الحد، بل سوف تزداد استفحالا وترديا، وستكون مفتوحة على احتمالات مرعبة ليس أقلها انشطار البلاد إلى قسمين، وهو يكاد أن يكون أمرا واقعا في ظل هذا الانقسام بين أنصار حكومة الوفاق الوطني في الغرب الليبي، وخصومها في الشرق، وهناك التمدد الداعشي الذي يكذب من يدعي أنه يستطيع مواجهته بقوته وحدها المعزولة عن بقية القوى العسكرية والأمنية في البلاد. فداعش تهديد لكل الليبيين، علاوة على أنه تهديد للمجتمع البشري خارج ليبيا، ولا بد من التوحد لمحاربة هذا التنظيم الوحشي، وتجييش كافة القوى في البلاد لدحره، والاستعانة بالمجتمع الدولي، عن طريق الدخول في التحالف الدولي الذي يحارب داعش، وأن يكون لهذا التحالف الدولي إسهامه مع الليبيين في هزيمته، وهو أمر لن يحصل إلا اذا تحالف الليبيون مع أنفسهم قبل الدخول في تحالف مع دول العالم الأخرى.

كاتب ليبي

9