ليبيا: العودة إلى دستور المملكة

الخميس 2014/05/08

هناك سوء فهم فادح لقضية المطالبة بعودة الملكية إلى ليبيا، وينقسم الذين يعارضون هذه العودة إلى فريقين. فريق ينتمي إلى الإسلاميين المتطرفين الذين يحبذون أن تبقى البلاد سداحا مداحا، لأن لهم أجندة أممية دولية تفضّل أن تبقى ليبيا مرتعا لرفاق السلاح في أفغانستان، أي في كهوف تورا بورا وقندهار وتنظيمهم القاعدي العنقودي، الذي يمتد من دولة داعش، إلى دولة شباب الصومال.

والفريق الثاني شباب من صغار السن، تربوا على أن الملكية إرث من الماضي السحيق، وأساليب الحكم في القرون الوسطى، وتأثروا بدعاية العهد الانقلابي في هجاء الملكية، وإظهار مساوئها، وإخفاء حسناتها، ولعلهم أيضا رأوا مساوئ الملكيات العربية التي تحكم بأسلوب الحق الإلهي في الحكم، فنفروا منها، واعتبروها امتدادا للحكم الاقطاعي الاستبدادي.

ونقول لأهل التطرف، والأجندات الأممية من الإسلاميين، أو حتى من تطرف مثلهم في الحد الثاني المناقض لهم، لأن هذه الأممية نفسها تؤمن بها جماعة من أهل الأصولية الماركسية مثل أتباع تروتسكي الذين يسمون أنفسهم الأممية الرابعة، وطبعا نستطيع أن نلحق بهؤلاء الأممين إخوتنا من أتباع الإخوان المسلمين فهم باعترافهم يتجاوزون القطر والوطن إلى فضاء أوسع وأشمل هو دولة الخلافة التي يطمح هذه الأيام أن يتزعمها الأمير القطري، كما لا يخفي رئيس الوزراء التركي تبنيه لعودة دولة الخلافة في اسطنبول.

إننا لا نعارض الطموح القطري ولا الطموح التركي، ولكننا نلفت عناية الاثنين، إلى أن ليبيا في حاجة إلى أن تلملم جراحها، وأن تتداوى من العلل التي أورثها لها نظام كتم أنفاسها، لمدة أربعة عقود، ومنع عنها الاستمتاع بثرواتها، وأباحها طعاما للطير من كل صوب وحدب، فمن حقها أن تأخذ هدنة من هذه الانشغالات الأممية، وأن تهتم برفع مستوى معيشة أهلها وبناء دولتها، حتى إذا التحقت بالركب الأممي الميمون، كانت في مستوى دولة بترولية مثل دولة قطر ثراء، أو دولة بلغت درجة من التقدم مثل تركيا.

أما للشباب المعارض للنظام الملكي فإنني أقول مخلصا، أنه فيما يبدو، وفيما يحيق بليبيا من مخاطر، وفيما تتعرّض له من مشاكل ومحن وتهديدات، مثل تهديد الفدرالية والتقسيم والميول الانفصالية، وإيقاظ النعرات الإثنية، وما يمكن أن ينتج عن هذا كله من احتراب واقتتال بين أبناء الوطن الواحد، فإن النظام الملكي هو سفينة الإنقاذ في هذه المرحلة. ويعلم هؤلاء الشباب من التاريخ الحديث، أنه لم ينقذ ليبيا من محنة انفصال كان قد وقع فعلا قبل الاستقلال، حيث استقلت برقة بإمارة خاصة بها تحت الحماية البريطانية، واستقلت طرابلس بولاية خاصة بها تحت نفس الحماية ولكن بنفوذ وسلطان للجالية الإيطالية، واستقلت فزان بنفسها تحت الحماية الفرنسية، ولم يكن ثمة حل إلا الملكية التي حصل حولها توافق حتى من أناس جمهوريين كانوا يريدون نظاما غير هذا النظام، ولكنهم تنازلوا عن أفكارهم إنقاذا للوطن.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أقول لهم أن هناك أنظمة ملكية إلى يومنا هذا موجودة في العالم تحكم حكم القرون الوسطى، ولكن هناك أنظمة ملكية تحكم أعرق وأقوى الدول الديمقراطية، وهي العماد والحماية والضمان لهذه الديمقراطية، وهي ملكيات أثبتت- تاريخيا- أنها أكثر صلاحية من أي نظام حكم آخر، فقد لا يعلم هؤلاء الشباب أن الدولة الأولى في النزاهة والأمانة، هي دولة ملكية، ودرجة الفساد تصل فيها إلى الصفر، بينما ليبيا وصلت في درجة الفساد إلى المرتبة 164 وهذا يعني أن هناك هذا العدد من الدول أقل منها فسادا، وأقول أن الدولة الأولى في انعدام الفساد هي هولندا، تليها دولة أخرى في نسبة النزاهة هي السويد، وهما تحكمان بنظام ملكي، وهناك ملكيات مثل بريطانيا هي الأكثر عراقة باعتراف العالم أجمع في الديمقراطية والحريات العامة. ولم تكن أسبانيا لتجد مخرجا من حكم الطغيان على الطريق الأوروبية، إلا بالانتقال من الحكم الجمهوري الذي كان يقوده الجنرال فرانكو، إلى النظام الملكي الذي ساهم فرانكو نفسه في إعادته.

ولهذا فإنني اضم صوتي إلى الذين يقولون بعودة الملكية كما كانت قبل ليلة الشؤم والفضيحة والعار، ليلة الأول من سبتمبر عام 1969، وإلى نفس الدستور بتعديلاته الذي كان قائما تلك الليلة، لأنه كما يقول خبراء دستوريون منهم الدكتور مسعود الكانوني، هو الدستور القائم فعليا حتى اليوم وليس هناك ما ينقضه، لأن الانقلاب الذي قام تلك الليلة هو إجراء ضد الشرعية وضد القانون، ولا يعتد بإبطاله للدستور، وبمجرد انهيار دولة الانقلاب فإن الدستور الملكي يعود كما كان، وتعود الدولة إلى سابق عهدها ولكن ليس بنفس القوة والصلاحية للملك، وإنما بتعديلات تتوافق مع روح العصر الذي يتطلب ملكية دستورية، الملك فيها يملك ولا يحكم.

وقد أسعدني جدا وجود حراك يعيد الاعتبار لهذا المطلب، ولا أرى الخطوة التى قام بها وزير الخارجية محمد عبد العزيز خطوة خارجة على صلاحياته كوزير في حكومة ما تزال تعمل حتى وإن كانت في آخر أيامها. فلعله يستطيع في هذه المدة القليلة المتبقية للحكومة، أن يضع العربة على القضبان، لأن القرار في النهاية للشعب وأعتقد أن مثل هذه العودة إلى الملكية يجب أن يتم بشأنها استفتاء ربما قبل الاستفتاء على الدستور، وتعطى فترة للنقاش العام بين المؤيد لهذه العودة والمعارض لها، وأن يعطى كل طرف حصة مساوية مع الطرف الآخر في كل وسائل الإعلام الحكومية لتوعية بقية الشعب بنقاط القوة والضعف، ولكي يأتي الاستفتاء عن وعي وفهم لطبيعة المرحلة القادمة، واستيعاب لإيجابيات وسلبيات الملكية مقارنة بنظام الحكم الجمهوري. واعتقد أن محمد عبد العزيز أشار إلى عودة الدستور بصيغته التي ظهر عليها في مطلع الاستقلال، وليس كما أشرت إلى صيغته قبل الانقلاب، ولا أعتقد أنها ستكون قضية خلافية لأن هذا الدستور لا بد أن يمر بمراجعة وإعادة صياغة في جوانبه الفنية، وليت لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور تتولى رعاية هذا الموضوع وتجعله جزءا من مهمتها.

واعترف أنني عارضت ذات يوم العودة إلى هذا الدستور ولكنني اليوم، بعد هذه المحن التي مرت بها ليبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية لا أرى حلا ولا إنقاذا للبلاد إلا عبر هذا الطريق.


كاتب ليبي

8