ليبيا المأساة والمنفى.. "آزاتسي"رواية مؤثرة بطلها كاتب منفي

الثلاثاء 2013/09/10
البوسيفي يصور المشهد المأسوي الذي عاشته ليبيا في عهد القذافي

تبدأ رواية "آزاتسي"، للكاتب الليبي مجاهد البوسيفي، على لسان "بطل" الرواية، من لحظتين محددتين زمانيًا ومكانيًا، في لايدن أكتوبر 1996، أي "بعد يوم طويل في مركز استقبال اللاجئين بمطار أمستردام"، حيث "اصطحبتْ موظفةُ دائرة الهجرة مجموعتَنا الصغيرةَ إلى محطة القطارات الواقعة تحت الأرض، قطعتْ لنا التذاكر اللازمة، وأشرفتْ على صعودنا للقطار الذاهب إلى مدينة لايدن".

هذه اللحظة ستكون فاصلة بين زمانين ومكانين يحضران، أو يتداخلان بالتناوب في الرواية، زمن الوطن وأمكنته، وزمن الاغتراب (المنفى الاختياري للبطل) وأمكنته. ربما يمكن أن نعتبر رواية البوسيفي هذه، الصادرة ضمن منشورات "ضفاف" في بيروت، الأولى التي تعالج قضية اللجوء وما يحيط بها من خلفيات وتفاصيل حياتية وثقافية وسياسية، لنطل من خلالها على المشهد المأسوي الذي عايشته ليبيا في عهد القذافي.

بعد زمن البداية الروائي، في لايدن، هناك الزمان والمكان الآخران اللذان يبدآن في "طرابلس مارس 1988"، لحظة انتقال "البطل" (السارد في الرواية هو سالم، البدوي القادم من الصحراء إلى مدينة طرابلس) باتجاه "مقر رابطة الكتاب لحضور الاحتفاء بالكُتّاب الذين خرجوا من السجن منذ أيام".

ومع صوت محمد وردي منشِدًا قصيدة محمد الفيتوري التي صار يحفظها الجميع عن ظهر قلب: أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق/ وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي/ فرحة نابعة من كل قلب يابلادي"، بدأ ما يسميه الراوي "الأسبوع المجنون" قبل أيام في مدينة راس لانوف، حيث كان أعضاء مؤتمر الشعب العام منهمكين فى مناقشة جدول الأعمال مباشرة على التلفزيون، عندما تدخل أمين المؤتمر العام فجأة ليوقف المتكلم طالبًا عودة الأعضاء إلى أماكنهم والتزام الصمت التام، مُبلغًا إياهم بصوته المتحشرج أن "الأخ القائد معهم على الخط ويريد أن يوجه كلمة للمؤتمر".


غفران العقيد


منذ الصفحات الأولى من روايته هذه، يبدأ الكاتب برسم "كاريكاتوري" للملامح الأولى لشخصية "القائد" (القذافي)، من خلال تعامله مع هدم "سجن بوسليم" بنفسه، حيث يظهر وهو يقود بلدوزر "تعربش" عليه الحرس من كل جانب، متوجهًا إلى بوابة السجن ليطيح بها وسط الهتافات المجنونة من الجماهير التي حوطت المكان كالسيل، ويصور الراوي تنقل "العقيد" الذي يظهر من جديد، وهو بكامل قيافته العسكرية، يعتلي منبرًا أقيم على عجل، ويخطب في الجماهير والسجناء المبهوتين، مرددًا أبيات قصيدة الفيتوري التي قالها بمناسبة الانتفاضة على الجنرال إبراهيم عبود في السودان، معلنا للسجناء، المتكوّمين بجانب أغراضهم المجموعة كيفما اتفق، أنهم طلقاء أحرار، غفرتْ لهم الثورة ما تقدم منهم، وأن بإمكانهم العودة إلى أعمالهم دون خوف، داعيًا إياهم إلى التجمع غدا أمام مبنى الجوازات لاستلام جوازاتهم ووثائقهم المحجوزة.

ومن جديد يصور الراوي كيف ظهر العقيد منتشيًا من شبّاك الدور الثالث في مبنى الجوازات بشارع السيدي علي في وسط المدينة، وكان يرتدي بدلة بيضاء أنيقة وموحية، على قميص حريرى أخضر، مسدلًا كوفية فلسطينية رصاصية رقيقة تنتهي عند حافتها بألوان العلم الفلسطيني، وسط الزغاريد والهتافات التي تأتي من تحت، والعقيد يمزّق قوائم الممنوعين من السفر ليعلو الصخب، الذي زاده دخول المطرب السوداني محمد وردي، ليحتضن العقيد مطولًا قبل أن يسلّمه المايك ويشرع في تجويد أغنية "أصبح الصبح" مباشرة على الجماهير دون موسيقى.

وما إن انطلق صوته الشجي حتى اتجه العقيد إلى أدراج الجوازات المحجوزة، وأخذ يلقي بها من النافذة على الطلقاء الذين انهمكوا فى "البربشة" بحثًا عن أوراقهم وسط تدافع الحرية المجنون.

بهذه المشاهد المتلاحقة، يرسم الكاتب، عبر الراوي "البطل" الملامح الأساسية للرئيس الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، وليرسم من خلاله معالم من حياة ليبيا في الفترة الممتدة من بداية حكمه إلى اختيار "البطل" الهجرة إلى هولندا، حيث من هناك سيبدأ تذكر محطات من حياته وحياة بلده التي يحلم بعدم العودة إليها.

ونسير مع الراوي متنقلين ما بين رابطة الكتاب وبعض المكاتب والمقاهي والمطاعم في طرابلس، ومن فيها من شخصيات ثقافية وسياسية، وبين مركز استقبال اللاجئين وصولا إلى "آزاتسي" (مركز إيواء اللاجئين)، ومن فيها من شخصيات، بعضها يحظى باللجوء السياسي، والآخر باللجوء الإنساني.


سكن الغربة


من عتمة ليبيا والخوف من السجن والقمع، إلى برد هولندا ووحشة الغربة والحاجة الملحّة إلى الأمان، يمكن القول إن الخطوط الرئيسة لرواية "آزاتسي" تسير ضمن هذين العالمين، وإن كانت معاناة العلاقة بالوطن هي الهاجس المسيطر على النص، بينما المكان الآخر البديل (هولندا) لا يشكل سوى انعكاس لحالات الأمل الإنساني المحمولة في داخل النفس. كما تحفل رواية البوسيفي بالغرائبي الذي يتوافق مع غرائبية السلطة الليبية وذهابها بعيدا في التنكيل بالإنسان.

ويشعر "سالم" بالمهانة من بعض من يقابلهم، فيقول "طوال العشرة أيام الماضية، استغرب كل من قلت له إني ليبي، تعقب الاستغراب عادة حالة من عدم الفهم، يتحول أحيانا إلى احتقار خفي كوني لا أريد أن أعيش في بلد يحكمه زعيم فذ مثل العقيد معمر القذافي الذي يحظى بشعبية كبيرة في المركز". لكنه يشعر "بحبور قريب من الفرح نتج عن معرفتي بأنه لن يتوجب عليّ بعد اليوم أن أرجع من حيث أتيت، وهو أشد ما كنت أخشاه في الأيام الأولى، على الأقل لا عودة في المدى المنظور".

14