ليبيا المنقسمة تهتز بقوة على وقع "معركة الكرامة"

الخميس 2014/05/22
ليبيا تدخل فعليا حرب الميليشيات المسلحة

طرابلس – تعيش ليبيا على وقع أزمة وصفها مراقبون بأنها الأسوأ منذ سقوط نظام معمر القذافي في أغسطس 2011، حيث أطلق جنرال سابق للقذافي حملة عسكرية ضد مجموعات إسلامية مسلحة، بعضها يتحالف مع الحكومة المؤقتة في طرابلس.

عندما نشب نزاع على حل البرلمان الليبي في فبراير الماضي ظهر ضابط سابق برتبة لواء يرتدي الزي العسكري بالكامل على شاشات التلفزيون فجأة ليطالب القوات المسلحة بإنقاذ البلاد.

وقف اللواء خليفة حفتر بين علم ليبيا وخريطة كبيرة مطالبا بأن تتولى حكومة انتقالية أمور البلاد بدلا من برلمان أصيب بالشلل بسبب المنافسات بين فصائل مختلفة بعد حرب عام 2011 التي أنهت حكم معمر القذافي.

وعلى الفور انتشرت شائعات عن تحركات قوات لتغذي المخاوف من وقوع انقلاب عسكري. لكن لم تنتشر دبابات في الشوارع وأبدى كثيرون رفضهم للواء حفتر باعتباره انقلابيا يسعى إلى قلب نظام الحكم.

يعرف الليبيون حفتر الضابط السابق صاحب الشعر الرمادي الذي تمرد على القذافي في الثمانينات، والآن عاد يتصدر المشهد، بعد أن اقتحمت جماعات من ميليشيات تقول إنها موالية له، البرلمان في طرابلس يوم الأحد وهاجمت مدينة بنغازي لإخراج المتشددين الإسلاميين منها.

وقد أيدت اثنتان من الوحدات العسكرية النظامية الجيش الوطني الليبي الذي أعلنه حفتر، مما جعله طرفا آخر في مواجهة تلوح في الأفق بين ألوية متنافسة من الثوار السابقين المعادين للقذافي الذين أصبحوا أصحاب السلطة الحقيقية في ليبيا.

وفي وقت مازال فيه الجيش الليبي الجديد في مرحلة التدريب أصبحت مجموعتان سابقتان من المقاتلين في مواجهة إحداهما الأخرى، وخلفهما قوى سياسية إسلامية وأخرى مناوئة للتيار الإسلامي في توازن غير مستقر للقوى لم يستطع أي من الطرفين أن تكون له الغلبة فيه.

وربما يشير تحرك حفتر والعنف الذي شهدته طرابلس وبنغازي إلى محاولة لتكوين جبهة أعرض مناوئة للإسلاميين وهو ما ينذر بمعركة أوسع نطاقا في ليبيا التي ما زالت تكافح لتشكيل ديمقراطيتها الهشة.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين ساكي إن الولايات المتحدة لم تجر اتصالا مع حفتر في الآونة الأخيرة و”لا تقبل الأفعال على الأرض (في ليبيا) أو تؤيدها ولم تساعد في تلك الأفعال”.

وقال دبلوماسي غربي “من الناحية السياسية نحن في مأزق حتى تتضح الأمور. فالوضع الأمني هش للغاية في بنغازي وطرابلس على السواء. أشك في مدى التنسيق بين حفتر والآخرين لكن لهما مصالح مشتركة. ربما يكون زواج مصلحة”.

على أحد الجانبين يقف الزنتانيون في الجبال الغربية وحلفاؤهم في لواء القعقاع ولواء الصواعق في طرابلس وهم يعارضون الإسلاميين بشدة ويؤيدون تحالف القوى الوطنية الذي يضم أحزابا وطنية يتزعمها مسؤول سابق من عهد القذافي.

وفي المقابل تقف ألوية مصراتة التي تتخذ من المدينة، التي تحمل اسمها، مقرا ولها ميول إسلامية وتؤيد الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين مع ألوية أسلامية أخرى وحلفائها.

وبدا جليا إمكانية نشوب مواجهة أوسع عندما هاجم مسلحون مزودون بمدافع مضادة للطائرات البرلمان، مما أدى إلى اشتباكات في مختلف أنحاء طرابلس بين القوات النظامية وميليشيات المجموعتين المؤيدة للإسلاميين والمناهضة لهم.

ولم يتضح ما إذا كانت قوات تابعة لحفتر شاركت حتى في اشتباكات طرابلس رغم أن أحد حلفائه وهو العميد صقر الجروشي أعلن أن قوات حفتر تعمل مع لواءي القعقاع والصواعق.

ولم تؤكد أي من المجموعتين أي دور. لكن مسؤولين ودبلوماسيين قالوا إن العنف الذي شهدته طرابلس ربما كان محاولة من لواء القعقاع لإفشال رئيس الوزراء أحمد معيتيق الذي أيدته جماعة الإخوان واعتبره منتقدوه مؤيدا للإسلاميين.

كان رئيس الوزراء قد قدّم أسماء أعضاء الحكومة للبرلمان يوم الأحد عندما شن المسلحون هجومهم. وبعد الهجوم لم يتضح حتى ما إذا كان معيتيق سيتمكن من حمل النواب على الاجتماع في جلسة للموافقة على تشكيل الحكومة.

وقال المجلس المحلي لطرابلس في بيان إن العاصمة لا يمكن أن تصبح ساحة معركة للنزاعات السياسية وحمل لواء القعقاع المسؤولية عن أعمال العنف.

منذ الحرب التي دعمها حلف شمال الأطلسي على القذافي كافحت القوى الغربية لمساعدة الحكومة الليبية الضعيفة على ترسيخ سلطتها وتعزيز مكانتها مع تزايد القلق الدولي، إذ أن عدم الاستقرار في ليبيا ينذر بالانتشار في دول مجاورة.

وفي الأسبوع الماضي أرسلت الحكومة الجزائرية قوات خاصة إلى طرابلس لإجلاء السفير وأغلقت السفارة بعد ما قالت المصادر إنه تهديد من تنظيم القاعدة. كما نقلت الولايات المتحدة مؤقتا نحو 250 من مشاة البحرية وعددا من الطائرات إلى صقلية من أسبانيا كإجراء احترازي بسبب المخاوف من الاضطرابات لتعزز قدرة واشنطن على إجلاء رعاياها في أية أزمة قد تنشأ.

ومما يعقد الوضع الأمني في ليبيا أن ألوف المقاتلين من أعضاء الميليشيات لهم وضع شبه رسمي، إذ يتقاضون أجورا من الحكومة وتربطهم صلات بوزارتي الدفاع والداخلية في محاولة لكسب ولائهم للدولة.

ومن الصعب قياس مدى الدعم الذي يمكن للواء حفتر أن يكتسبه في القوات المسلحة الناشئة أو بين شبكة المقاتلين في بلد تتم فيه التحالفات على أسس قبلية وإقليمية وسياسية. لكن له باعا طويلا كقائد منشق، إذ أنه كان حليفا سابقا للقذافي، انضم إليه في انقلاب عام 1969 لكنه اختلف معه فيما بعد بسبب الحرب التي خاضتها ليبيا في تشاد في الثمانينات.

ويقول تقرير عن حفتر، أعدته مؤسسة جيمس تاون فاونديشن، إنه كان يحظى في الماضي بدعم من وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وقد أمضى 20 عاما في الولايات المتحدة قبل عودته لقيادة مقاتلي المعارضة عام 2011.

ورأى ريكاردو فابياني من مجموعة أوراسيا أن “الأحداث الأخيرة ربما كانت حدا فاصلا. فحفتر يحاول أن يجمع تحالفا من القوات يضم أبناء الزنتان والفيدراليين لمواجهة قوة المعسكر الإسلامي”. لكن أية محاولة لتشكيل تحالف مناهض للتيار الإسلامي يتمتع بقوة ساحقة لن يواجه مقاومة سياسية وحسب بل وأيضا معارضة شرسة من مصراتة وألوية متحالفة ستتصدى لأية محاولة من جانب منافسيها في الزنتان لتحقيق مكاسب وبخاصة في طرابلس.

ويشكل أبناء مصراتة الجانب الأساسي فيما يسمى بقوات درع ليبيا التي أنشأها رئيس البرلمان لتعزيز الأمن في طرابلس، حيث يتهم كثير من السكان عناصر من بدو الزنتان بارتكاب جرائم وتنفيذ عمليات خطف.

وتعتبر كتائب الزنتان بمثابة الذراع المسلحة للتيار الليبرالي في ليبيا، وهي تطالب بحل المؤتمر الوطني العام الذي يهيمن عليه الإسلاميون.

وتحدث ألوية إسلامية أخرى صخبا بالفعل. وتقول غرفة عمليات ثوار ليبيا التي اتهمت بخطف رئيس الوزراء العام الماضي إن عناصر منافسة تحاول إعادة النظام الديكتاتوري إلى البلاد. وتظل كتائب مصراتة بمعزل عن النزاعات حتى الآن.

قد تؤدي أعمال العنف إلى إغراق ليبيا في الحرب الأهلية وتعيد إحياء الخصومات بين عشرات الميليشيات التي تنشط وفقا لما يخدم مصالحها وإيديولوجياتها، حيث يزداد الوضع الأمني في ليبيا سوءا يوما بعد يوم.

وتأتي هذه الأوضاع المتدهورة في سياق إقليمي متوتر، خاصة ما يحدث في مصر وتونس، مع تصاعد خطر تهديد القاعدة والجريمة المنظمة عبر الحدود، وهو ما دفع الدول المجاورة إلى إعلان حالة الطوارئ على حدودها مع ليبيا. فتونس عززت قواتها على الحدود الليبية، فيما أخلت قوات جزائرية خاصة السفارة الجزائرية في طرابلس من موظفيها.


إقرأ أيضا:


التمثيل الجغرافي والانقسامات الداخلية من أبرز أسباب الصراع في ليبيا

7